أخبار

حماس وافقت على نزع السلاح.. فلماذا رفضت إسرائيل الصفقة؟

حماس وافقت على نزع السلاح.. فلماذا رفضت إسرائيل الصفقة؟

متابعة: دخل ملف نزع سلاح حركة حماس منعطفًا لافتًا بعد موافقة الحركة على إطار مدعوم من الولايات المتحدة لتسليم أسلحتها، في خطوة كان يُفترض أن تزيل واحدة من أعقد العقبات أمام تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام في غزة. لكن المفاجأة جاءت من الجانب الإسرائيلي، إذ رفض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الإطار وأكد أن إسرائيل لم توافق عليه، ما أعاد العملية السياسية إلى دائرة الجمود وطرح تساؤلات بشأن الأسباب التي تدفع إسرائيل إلى رفض اتفاق يحقق، من حيث المبدأ، أحد أبرز أهدافها المعلنة في الحرب.

وبحسب مقال تحليلي نشرته مجلة Foreign Policy في 6 أغسطس/آب 2026 للصحفي جون هالتيوانغر، فإن تفسير الموقف الإسرائيلي لا يرتبط بمسألة نزع السلاح وحدها، بل بمجموعة متشابكة من الاعتبارات السياسية والأمنية والانتخابية، إضافة إلى الخلاف حول آليات تنفيذ الاتفاق والجهات التي ستتولى الإشراف عليه. ‎⁨

العقدة التي بدت قابلة للحل

شكّل نزع سلاح حماس طوال الأشهر الماضية أكبر نقاط الخلاف في عملية السلام المتعثرة في غزة، خصوصًا أن أجزاء رئيسية من خطة ترامب المكونة من 20 نقطة ترتبط بتخلي الحركة عن سلاحها. ومنذ بدء وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بقيت العملية عالقة إلى حد كبير عند هذه المسألة.

لكن حماس وافقت الأسبوع الماضي، في تطور وُصف بالمفاجئ نسبيًا، على إطار مدعوم أميركيًا لتسليم سلاحها، تحت إشراف «مجلس السلام» التابع لترامب. وسارع المجلس إلى وصف الاتفاق بأنه «تاريخي» وخطوة كبيرة باتجاه سلام وأمن دائمين، بل أعلن في البداية أن إسرائيل «سعيدة جدًا» بالتفاهم الجديد. ‎⁨ملخص تنفيذي -

سرعان ما تبددت هذه الأجواء، بعدما ظهرت معارضة إسرائيلية واضحة. وأعلن نتنياهو أن إسرائيل لم توافق على الإطار، وأن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من خطوط انتشاره الحالية قبل نزع سلاح حماس بالكامل. وترافق الموقف السياسي الإسرائيلي مع تنفيذ ضربات جوية في غزة عقب الإعلان عن الخطة. ‎⁨

وهكذا انتقلت المشكلة من سؤال كان يتمحور حول استعداد حماس للتخلي عن سلاحها، إلى سؤال مختلف: لماذا ترفض إسرائيل إطارًا وافقت عليه الحركة ويتناول مطلبًا إسرائيليًا رئيسيًا؟

الانتخابات الإسرائيلية في قلب الحسابات

يضع خبراء تحدثت إليهم المجلة الحسابات السياسية الداخلية في مقدمة تفسيرات الموقف الإسرائيلي. فإسرائيل تتجه نحو انتخابات مرتقبة في أكتوبر/تشرين الأول، ما يجعل قدرة حكومة نتنياهو على تقديم تنازلات أو الموافقة على ترتيبات يمكن تصويرها داخليًا باعتبارها تسوية مع حماس محدودة للغاية.

وترى شيرا إفرون، الباحثة في مؤسسة RAND، أن قبول الحكومة الإسرائيلية بالخطة يكاد يكون مستحيلًا سياسيًا قبل الانتخابات. فقد بنت حكومة نتنياهو جزءًا أساسيًا من خطابها خلال الحرب على التعهد بتحقيق «نصر مطلق»، ومن ثم فإن قبول تسوية مع حماس قبيل توجه الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع يمكن أن يعرّض نتنياهو لاتهامات بالتراجع عن أهداف الحرب. ‎⁨

وتكتسب هذه الحسابات أهمية إضافية في ظل احتمال أن تشهد الانتخابات خسارة نتنياهو السلطة بعد أن أصبح أطول رؤساء الحكومات خدمة في تاريخ إسرائيل. ولذلك يصبح هامش المناورة السياسية أضيق، ويزداد ثقل الاعتبارات الانتخابية في التعامل مع أي صيغة تتعلق بمستقبل غزة.

لكن تغيير الحكومة، وفق تقديرات الخبراء الواردة في المقال، لا يعني بالضرورة حدوث تحول سريع في السياسة الإسرائيلية. فجولي نورمان، الباحثة في تشاتام هاوس، ترى أنه حتى في حال خسارة نتنياهو الانتخابات سيكون من الصعب على أي حكومة إسرائيلية جديدة الانتقال بصورة مفاجئة إلى تقديم تنازلات كبيرة في غزة. ‎⁨

قطر وتركيا.. عقدة إضافية

ولا يقتصر الاعتراض الإسرائيلي على مضمون نزع السلاح، وإنما يمتد إلى الجهات المحتمل أن تشارك في التحقق من تنفيذه.

فالإطار يفتح المجال أمام دور لقطر وتركيا في آلية التحقق، وهو عنصر يثير حساسية كبيرة داخل إسرائيل. وتنقل المجلة عن إفرون أن البلدين يُنظر إليهما في الأوساط الإسرائيلية الراهنة باعتبارهما أقرب إلى «شبه دولتين عدوتين»، فيما وصل الأمر ببعض الإسرائيليين إلى وصف تركيا بأنها «إيران الجديدة». ‎⁨

وهذا التوصيف، كما يوضح الملف، هو تقدير منسوب إلى شيرا إفرون بشأن المزاج الإسرائيلي، وليس موقفًا رسميًا إسرائيليًا معلنًا أو حقيقة متفقًا عليها. ‎⁨

وبذلك لا يدور الخلاف حول مبدأ نزع السلاح فقط، بل حول سؤال أكثر تعقيدًا: من يضمن تنفيذه؟ ومن يمتلك صلاحية التحقق من أن حماس نفذت التزاماتها؟ وهي أسئلة تحول المسألة من إجراء أمني تقني إلى قضية سياسية إقليمية.

إسرائيل لا تبدو مستعدة للانسحاب

في موازاة الخلاف السياسي، تشير الوقائع الميدانية الواردة في التقرير إلى أن إسرائيل لا تبدو في عجلة للانسحاب من غزة.

وتفيد التقديرات التي ينقلها المقال بأنها تسيطر حاليًا على أكثر من 60% من القطاع. كما وسّع نتنياهو في مايو/أيار الماضي نطاق «الخط الأصفر»، وهو خط ترسيم عسكري كان يفترض أن يكون مؤقتًا بموجب خطة ترامب، ليشمل نحو 70% من أراضي غزة. ‎⁨

غير أن الملف ينبه إلى أن نسبتي 60% و70% وردتا بوصفهما تقديرات صحفية واستنادًا إلى تصريحات نتنياهو، من دون أن يورد المقال الأصلي مصادر تفصيلية مستقلة لهما. ‎⁨

هذه المعطيات تضع مسألة الانسحاب في صميم الخلاف. فبالنسبة إلى إسرائيل، لا يتعلق الأمر فقط بما إذا كانت حماس ستسلم سلاحها، وإنما أيضًا باللحظة التي ينبغي عندها للجيش الإسرائيلي التخلي عن المواقع والمساحات التي يسيطر عليها.

تعديل عملي في معادلة «السلاح مقابل الانسحاب»

أمام الرفض الإسرائيلي، أدخل مجلس السلام عمليًا تعديلًا مهمًا على تسلسل تنفيذ الخطة.

فبدلًا من الربط المباشر بين تقدم عملية نزع السلاح وانسحاب الجيش الإسرائيلي، أعلن المجلس أن الانسحاب لن يتم إلا بعد اكتمال تفكيك السلاح. وترى إفرون أن هذا التغيير يوفر طمأنة مهمة لإسرائيل، لأنه يعني أنها لن تكون مطالبة بالانسحاب من خطوط انتشارها الحالية قبل التأكد من اكتمال العملية. ‎⁨

ويكشف هذا التعديل عن واحدة من المعضلات الأساسية في تنفيذ الاتفاق: ترتيب الخطوات. فالسؤال لم يعد مقتصرًا على ما إذا كانت حماس ستتخلى عن سلاحها، وإنما بات متعلقًا أيضًا بمن يبدأ أولًا، وما الضمانات المقدمة لكل طرف، ومتى يتحول التعهد السياسي إلى خطوات ميدانية قابلة للقياس والتحقق.

هيئة فلسطينية معلقة في القاهرة

تواجه الخطة كذلك عقبات تنفيذية أخرى. فهي تنص على أن تتولى «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، وهي هيئة تكنوقراطية فلسطينية، الإشراف على نزع السلاح وتخزين الأسلحة داخل القطاع.

لكن أعضاء اللجنة الخمسة عشر لم يتمكنوا من دخول غزة بسبب المنع الإسرائيلي، وبقوا في القاهرة. وفي الوقت نفسه، لم تُنشر حتى الآن «قوة الاستقرار الدولية» التي يربط الإطار بدء عملية نزع السلاح بوجودها. ‎⁨

ويعني ذلك أن الاتفاق، حتى لو تجاوز الاعتراض السياسي الإسرائيلي، ما زال يفتقر إلى بعض الأدوات الأساسية اللازمة للتنفيذ على الأرض: هيئة فلسطينية قادرة على العمل داخل القطاع، وقوة دولية موجودة فعليًا، وآلية تحقق تحظى بدرجة كافية من القبول بين الأطراف.

هل كانت موافقة حماس مناورة سياسية؟

تثير موافقة حماس نفسها تساؤلات بشأن حسابات الحركة. فالتخلي عن السلاح يمثل تحولًا بالغ الحساسية بالنسبة إلى تنظيم يقدم نفسه بوصفه حركة مقاومة مسلحة ويضع السلاح في صميم هويته السياسية والعسكرية.

ولهذا يرى بعض المراقبين أن حماس ربما لم تكن تتوقع أصلًا موافقة نتنياهو على الإطار، وأن قبولها به ربما استهدف نقل الضغط السياسي إلى الجانب الإسرائيلي، ووضع إسرائيل في موقع الطرف الذي يتحمل مسؤولية تعطيل التقدم في غزة. ‎⁨

لكن جولي نورمان تقدم قراءة أخرى، إذ ترى أن موافقة حماس غير المتوقعة أحدثت تغييرًا مهمًا في ديناميكية العملية. فبعدما كان رفض الحركة التخلي عن السلاح يشكل العقبة المركزية، أصبحت لدى الولايات المتحدة ومجلس السلام أوراق ضغط جديدة يمكن استخدامها تجاه إسرائيل إذا قررا ذلك. ‎⁨

«ضجيج» أم تحول حقيقي؟

ينقسم الخبراء بشأن القيمة الفعلية للاختراق الأخير. أستاذ العلوم السياسية ناثان براون يرى أن إعلان ترامب المتحمس عن الاتفاق يمكن فهمه باعتباره وسيلة للضغط أكثر من كونه دليلًا على حدوث تقدم حقيقي، ويصف المشهد في جوهره بأنه «ضجيج» لا ترافقه حركة فعلية كافية.

في المقابل، ترى القراءة الأكثر تفاؤلًا أن مجرد انتقال حماس إلى قبول مبدأ نزع السلاح يغير نقطة البداية في المفاوضات، حتى لو بقي التنفيذ بعيدًا ومعقدًا. ‎⁨

وفي المحصلة، يبدو أن العقدة التي تواجه خطة ترامب لم تعد محصورة في سلاح حماس. فموافقة الحركة كشفت طبقة أخرى من الخلافات تتعلق بالسياسة الداخلية الإسرائيلية، ومستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في غزة، وترتيب الانسحاب ونزع السلاح، ودور قطر وتركيا، وهوية الجهات الفلسطينية والدولية التي ستتولى التنفيذ والرقابة.

ولهذا أقر ممثل مجلس السلام لغزة نيكولاي ملادينوف بأن العملية ما زالت بعيدة عن الاكتمال، معتبرًا أن ما ينتظر الأطراف ليس نهاية المفاوضات، وإنما بداية المرحلة الأصعب من عملية دبلوماسية شاقة وتقنية. ‎⁨