أخبار

الغموض الاستراتيجي الأمريكي تجاه إيران: محفّز التصعيد وعائق التهدئة

الغموض الاستراتيجي الأمريكي تجاه إيران: محفّز التصعيد وعائق التهدئة

واشنطن: رأى تحليل نشرته مجلة Foreign Affairs أن الغموض الذي طبع السياسة الأمريكية خلال الحرب مع إيران لم يحقق الردع أو الاحتواء، بل ساهم في تصعيد المواجهة وإضعاف فرص تثبيت أي هدنة مستقبلية، نتيجة تضارب الرسائل الأمريكية بشأن أهداف الحرب وحدودها. ويذهب كاتب المقال، أستاذ العلوم السياسية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) إريك لين غرينبرغ، إلى أن غياب الوضوح الاستراتيجي أدى إلى سوء تقدير متبادل بين واشنطن وطهران، وهو ما انعكس على مجريات الصراع ومسارات التهدئة.

ويشير التقرير إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قدمت خلال الحرب رسائل متناقضة؛ إذ انتقلت من التهديد بتدمير الحضارة الإيرانية والتلويح بالاستيلاء على جزيرة خرج، إلى توقيع هدنة والتراجع عن بعض المواقف، كما طرحت فرض رسوم على الملاحة في مضيق هرمز قبل أن تؤكد ضرورة بقاء الممر مفتوحًا أمام الجميع. ويرى الكاتب أن هذه التناقضات أربكت الخصوم والحلفاء معًا.

ويفرق المقال بين نوعين من سياسات الإكراه؛ الأول يقوم على الوضوح الكامل في تحديد الأهداف والعواقب، والثاني يعتمد على الغموض المتعمد لردع الخصم عبر إبقائه أمام احتمالات مفتوحة. إلا أن الكاتب يؤكد أن الغموض قد يتحول إلى عامل تصعيد عندما يؤدي إلى سوء تقدير نوايا الطرف الآخر، وهو ما حدث، بحسب تقديره، في الحالة الإيرانية.

وبحسب التحليل، فإن أهداف واشنطن خلال عملية “الغضب الملحمي” (Epic Fury) بدت متغيرة باستمرار، إذ تراوحت بين إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، ومنع طهران من امتلاك السلاح النووي، وإنهاء دعمها لوكلائها الإقليميين، بل وصل الخطاب في بعض المراحل إلى التلميح بإسقاط النظام الإيراني، بينما ركز مسؤولون آخرون على أهداف عسكرية أكثر محدودية. ويرى الكاتب أن هذا التناقض دفع القيادة الإيرانية إلى افتراض أسوأ السيناريوهات والتعامل مع الحرب باعتبارها تهديدًا وجوديًا، الأمر الذي انعكس في رد عسكري واسع استهدف قواعد أمريكية ومنشآت إقليمية.

كما يربط المقال بين الغموض الأمريكي وانهيار مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية الموقعة في يونيو/حزيران 2026، موضحًا أن الصياغة الملتبسة المتعلقة بوضع مضيق هرمز سمحت لكل طرف بتفسير الاتفاق بصورة مختلفة؛ إذ اعتبرت واشنطن أنه ينص على إعادة فتح المضيق بالكامل، بينما رأت طهران أنه يكرس سيطرتها على أجزاء منه، وهو ما أدى لاحقًا إلى تجدد الاشتباكات واستهداف سفن تجارية.

ويرى الكاتب أن هذا الغموض لم يكن بالكامل سياسة أمريكية مقصودة، بل جاء أيضًا نتيجة تردد داخل الإدارة الأمريكية في تحديد الهدف النهائي للحرب، وهو ما أضعف مصداقية التهديدات الأمريكية. ويضيف أن محدودية التأييد الشعبي للحرب داخل الولايات المتحدة، إلى جانب اختلاف أولويات إسرائيل وخطوطها الحمراء عن واشنطن، زادت من صعوبة توجيه رسائل استراتيجية واضحة إلى إيران.

ورغم انتقاده للسياسة الأمريكية، يلفت المقال إلى أن الغموض ليس سلبيًا في جميع الظروف، إذ قد يوفر في بعض الأحيان مساحة لخفض التصعيد وإتاحة مخارج سياسية للطرفين، كما حدث عندما قللت الإدارة الأمريكية من أهمية بعض الهجمات الإيرانية عقب هدنة أبريل 2026، الأمر الذي ساعد مؤقتًا على احتواء التوتر.

ويخلص الكاتب إلى أن الغموض قد يكون مفيدًا في التفاعلات العسكرية المحدودة، لكنه يصبح خطرًا عندما يتعلق بالأهداف الاستراتيجية الكبرى. لذلك يدعو الولايات المتحدة إلى تبني سياسة أكثر وضوحًا واتساقًا في تحديد أهدافها وإيصالها إلى طهران، بما يحد من احتمالات سوء التقدير ويزيد فرص التوصل إلى اتفاق أكثر استدامة.