مقالات

سلاح المقاومة في غزة... هل يمكن تحويل العقدة إلى مدخل لتسوية شاملة؟

سلاح المقاومة في غزة... هل يمكن تحويل العقدة إلى مدخل لتسوية شاملة؟

أعاد لقاء المبعوث الأميركي جاريد كوشنر مع قيادة حركة حماس، برئاسة خليل الحية، في 16 آب/أغسطس 2026 بمدينة العلمين، بحضور منسق مجلس السلام نيكولاي ميلادينوف والوسطاء المصريين، موضوع نزع سلاح المقاومة إلى صلب النقاش السياسي والأمني الراهن.

ومع تأكيد حركة حماس التزامها وموافقتها على صيغة خارطة الطريق ذات البنود الـ15 للمرحلة الثانية، بما يشمل وقفًا دائمًا لإطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي الكامل، وتفعيل عمل اللجنة الإدارية، وإعادة الإعمار ودخول المساعدات، شريطة إلزام إسرائيل بتنفيذ المرحلة الأولى، يبقى السؤال: هل نزع السلاح هو المدخل الطبيعي للحل؟ وكيف يمكن تحويل ملف السلاح من أداة للصراع إلى جزء من ترتيبات وطنية سياسية وأمنية أشمل، تنهي الاحتلال وتعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني؟

السلاح بين جدلية السبب والنتيجة في حالة غزة

لقد شكّلت مقاومة الاحتلال حالة من الإجماع الوطني الفلسطيني على امتداد تاريخ الحركة الوطنية المعاصرة، منذ نشأتها في 1 كانون الثاني/يناير 1965، حيث اعتُبر الكفاح المسلح ومقاومة الاحتلال أحد أبرز أشكال النضال الوطني. وكانت ولا تزال الشرعية الثورية أحد أسس التمثيل الوطني والفصائلي في مؤسسات الشعب الفلسطيني.

ومع النقاش الذي امتد لسنوات ما بعد أوسلو حول أشكال النضال في ظل برامج متعارضة في الساحة الفلسطينية، بين تيارات الحركة الوطنية والإسلامية، وفي ظل التزامات سياسية وقانونية حكمت الحالة الوطنية وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، يتجدد اليوم النقاش حول وضع السلاح والفصائل في قطاع غزة، والهدف من بقائه، وإمكانية إخراجه من المعادلة السياسية والأمنية القائمة.

ويأتي ذلك في ظل حرب الإبادة، والسعي إلى إنهائها وإنقاذ شعبنا في غزة من المأساة الإنسانية المستمرة. لكن الأحداث والمواقف المتلاحقة تحتم إعادة ترتيب الأولويات الوطنية والإنسانية والإغاثية، بحيث لا يبقى الوضع الراهن رهينة للذرائع والمماطلة الإسرائيلية في وقف العدوان والإبادة والتجويع بحق شعبنا في غزة، ولا يبقى مستقبل الشعب والقضية الفلسطينية في غرفة انتظار لحسم جدل الأولويات والافتراضات والمقاربات الضيقة، وفق معادلة البقاء والمصالح الفصائلية والحزبية.

إن السلاح في غزة اليوم لم يعد قادرًا وحده على منع الإبادة، أو إبقاء الحصار على المعابر، أو فرض انفاذ المساعدات الإنسانية والإغاثية، أو منع الاغتيالات والسيطرة الأمنية وإطباق الحصار، كما لم يعد قادرًا على إخراج جيش الاحتلال من قطاع غزة، الذي بات يحتل ويسيطر على مساحات واسعة منه.

وفي المقابل، تتذرع إسرائيل بذرائع مختلفة، وتهدد بالعودة إلى القتال، وتضع شروطًا زمنية وأمنية على حركة حماس، بينما تنفي الحركة مسؤوليتها عن بعض الوقائع التي تستخدمها إسرائيل مبررًا للتصعيد.

وهنا تبقى معادلة التزامن بين الانسحاب الإسرائيلي وتسليم السلاح صيغةً للتهديد الإسرائيلي بالعودة إلى القتال، وأداة ابتزاز وعقدة ومعضلة جديدة، تبقي الوسطاء ومجلس السلام وحركة حماس وخارطة الطريق معلقة في خدمة حسابات نتنياهو السياسية والدعائية والانتخابية.

لطالما كان الربط بين السلاح والمقاومة وانسداد الأفق السياسي وبقاء الاحتلال موضع جدل. وتكمن الخطورة في تحويل السلاح إلى شرط مسبق، بحيث يصبح النقاش حول نزعه بديلًا عن البحث في الانسحاب الإسرائيلي وإنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية.

غير أن موافقة حماس على مبدأ التخلي عن الحكم والسلاح، وطلبها في المقابل السماح لها بالبقاء السياسي والمشاركة في النظام السياسي الفلسطيني، إلى جانب إعلان مشاركتها في الانتخابات الفلسطينية المقبلة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، والحديث عن تحالفاتها وقائمة مشتركة مع فصائل وتيارات سياسية، يفتح الباب أمام مقاربة مختلفة للأولويات في هذه المرحلة.

ولا يعني ذلك بالضرورة تخلي الحركة عن دورها في رسم معادلة الانتقال الأمني والسياسي لمستقبلها، أو عن حساباتها الخاصة المتعلقة بعوامل بقائها لكن السؤال الأهم هو: هل يمكن أن تتحول هذه الحسابات من البحث عن ضمانات فصائلية إلى ضمانات وطنية شاملة؟

فالمشكلة ليست في السلاح وحده، بل في الجهة التي تملك قرار استخدامه، وتحت أي شرعية، وفي أي منظومة سياسية وأمنية وطنية.

إن التمسك بسلاح لم يعد قادرًا على تغيير المعادلة الميدانية قد يحوّل الحركة إلى حالة تفاوضية معلقة في حلقة مفرغة، خصوصًا إذا استُخدم هذا الملف من قبل نتنياهو وحكومته المتطرفة ذريعة لتعطيل الانسحاب، أو تأجيل الأفق السياسي، أو تعطيل تنفيذ خارطة الطريق.

فمهمة الانسحاب الإسرائيلي، وفتح الأفق السياسي، وتنفيذ خارطة الطريق، وتحديد مستقبل القطاع والقضية والدولة، ليست مهمة حماس وسلاحها وحدهما، بل هي مسؤولية وطنية جماعية، تتحملها القوى الفلسطينية والوسطاء الإقليميون والضامنون الدوليون.

 

وهنا لم يعد سؤال التزامن هو الأولوية الوطنية أو الغزاوية، بقدر ما أصبح المطلوب هو كسر معادلة الابتزاز الإسرائيلي، وفهم المعضلة الفلسطينية الداخلية: هل يمكن إدماج سلاح الفصائل في إطار وطني موحد من دون أن يتحول ذلك إلى نزع قسري، أو إلى تكريس جديد للانقسام؟ وكيف يمكن تحويل ما يبدو عقدة اليوم إلى ورقة تفاوضية ضمن تسوية شاملة، بدل أن يكون السلاح نقطة البداية والنهاية في أي نقاش حول مستقبل غزة؟

إعادة بناء السلطة والنظام السياسي: الترتيب المتزامن

تبدأ موازنة المعضلة الفلسطينية من إعادة بناء السلطة والنظام السياسي على أساس الشراكة والانفتاح والحوار الوطني الجامع، بما يوفر حاملًا وطنيًا موحدًا للهموم الوطنية، وقادرًا على إعادة صياغة الأولويات.

فتوحيد السلاح يفترض، في المقابل، وجود شرعية سياسية وطنية موحدة، ومؤسسات قادرة على استيعاب القوى المختلفة. وهنا تبرز الحاجة إلى معالجة فلسطينية إبداعية وحريصة على المصلحة الوطنية، من خلال قلب الأولويات وإعادة القدرة إلى المؤسسات الوطنية على إعادة صياغة معادلة الترتيب والتزامن في ملف السلاح، وتحويلها من معركة فصائلية إلى معركة خلاص وطني جماعي.

ولكي لا تكون معالجة ملف سلاح حماس منفصلة عن الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار ورفع الحصار وإعادة توحيد مؤسسات غزة والضفة سياسيًا ومؤسساتيًا، فإن ذلك يتطلب فهمًا واستعدادًا فلسطينيًا جماعيًا لخطورة المخطط والأهداف الإسرائيلية التي لا تستثني أحدًا من مشاريعها التوسعية والاستيطانية والتهجيرية والقمعية.

ولهذا، فإن الحراك الفلسطيني الكلي مطالب بمقاربة الرؤى والأهداف والأولويات والأدوات السياسية والقانونية والإجرائية، في سبيل تقديم طرح جديد يفكك الخطاب الإسرائيلي في طريقة التعاطي مع غزة، سواء عبر خارطة الطريق أو ترتيبات اليوم التالي.

ومن هنا، فإن السؤال المتعلق بسلاح حماس اليوم يجب أن يكون: كيف يصبح السلاح أداة في خدمة المشروع الوطني، وليس غاية بحد ذاته؟

وما توفره المظلة الوطنية الجامعة والوساطة الإقليمية قد يكون أقل كلفة على حماس، وأكثر قدرة على حماية مستقبلها السياسي، وهو ما يمكن أن يجعل السلاح مدخلًا للحل وليس عقدة أمامه.

وهذا يتطلب التراجع عن منطق الأجندات الفصائلية الضيقة، وعدم السماح بتحويل الملف إلى ذريعة للتعطيل والإفشال والتسويف في بازار الانتخابات الإسرائيلية.

كما أن ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي يجب أن يصبح أولوية متزامنة مع المسارات السياسية المرتبطة بخطة الرئيس ترامب، والقرار 2803، وإصلاح السلطة، والانتخابات التشريعية الفلسطينية، باعتبارها رزمة واحدة توحد الكل الفلسطيني لتحقيق أهداف وطنية كلية، وليس عبر مراحل منفصلة أو عمليات تحقق والتزام متتابعة، بحيث تصبح غزة والضفة معادلة سياسية واحدة، بدل أن تبقى كل منهما رهينة لشروط واستحقاقات منفصلة يدفع ثمنها الجميع، فرديًا وجماعيًا.

كيف يتحول السلاح إلى مدخل للحل؟

لكي يتحول السلاح إلى مدخل للحل، لا إلى عقدة أو حجة، فإن ذلك يستدعي مهمات وطنية عاجلة تنطلق من رؤية وطنية خالصة، مبنية على الخطوات التالية:

أولًا: أن تعلن حركة حماس تفويض اللجنة الإدارية للتعامل مع ملف السلاح والانسحاب، وتخليها عن التفاوض النهائي فيما يخص خارطة الطريق ذات البنود الـ15.

ثانيًا: أن تتولى اللجنة الوطنية، بالتنسيق مع مجلس السلام والوسطاء، التفاوض حول المرحلة الانتقالية في غزة وفق خارطة الطريق وخطة الرئيس ترامب.

ثالثًا: البدء بحوار وطني شامل لإعادة توحيد المؤسسات بين الضفة وغزة، بدعوة مصرية ورعاية عربية ودولية.

رابعًا: التعامل مع ملف السلاح باعتباره مدخلًا وليس عقدة، من خلال دعوة السلطة واللجنة الوطنية إلى بحث ترتيبات أمنية انتقالية في القطاع، ضمن إطار وطني جامع.

خامسًا: أن تكون الشراكة الوطنية عبر الانتخابات التشريعية، واحترام نتائجها دون إقصاء، والبحث عن صيغ للتوافق والشراكة الوطنية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، واشتقاق استراتيجية وطنية وبرنامج سياسي يعيدان الاعتبار للقضية الفلسطينية وفق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

سادسًا: التعامل بحذر مع الفترة المتبقية قبل الانتخابات الإسرائيلية، والوعي الكامل بنوايا نتنياهو ومغامراته تجاه غزة، وعدم السماح بتحويل القطاع إلى ورقة في الحسابات الانتخابية الإسرائيلية.

الخاتمة

لا شك أن إبقاء التفاوض بصيغته الحالية حول خارطة الطريق، والانتقال إلى المرحلة الثانية، وربط ذلك بشرط الانسحاب وتسليم السلاح، يبقي المجال مفتوحًا أمام حكومة الاحتلال للتهرب من التزاماتها في إطار المرحلة الأولى وشروط الانتقال إلى المرحلة الثانية، بحجة تسليم السلاح، ويمنحها هامشًا لتعطيل عمل مجلس السلام واللجنة الإدارية والقوة الدولية.

وفي المقابل، فإن تمسك حماس والفصائل بالسلاح بوصفه شرطًا سابقًا أو لاحقًا للانسحاب قد يبقي العقدة قائمة في زمن الإبادة والاغتيالات والاحتلال والتهجير والحصار.

 

ولهذا، فإن قلب المعادلة وإعادة ترتيب أولويات التفاوض لا يعنيان التنازل عن شرط الانسحاب الكامل لجيش الاحتلال، ولا التخلي عن الحقوق الوطنية الفلسطينية، بل يعنيان نقل ملف السلاح من كونه مسؤولية فصيل أو مجموعة فصائل إلى كونه جزءًا من مهمة وطنية جماعية، والتزامًا إقليميًا ودوليًا، وشرطًا ضمن مسار سياسي أوسع يقود إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية وحل الدولتين.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى دعوة صريحة لحركة حماس إلى إعادة تعريف دورها في المرحلة المقبلة، وعدم احتكار التفاوض حول مستقبل غزة بأي صيغة كانت، سواء مع طرف إقليمي أو دولي، أميركيًا كان أو غيره، بما في ذلك كوشنر أو ميلادينوف، وإتاحة المجال أمام إطار وطني فلسطيني جامع، مدعوم عربيًا وإقليميًا ودوليًا، لوضع ملف السلاح والانسحاب ضمن رؤية واحدة هدفها توحيد المؤسسات الفلسطينية، وحماية الحقوق الوطنية المشروعة، وإنهاء الانقسام، وفتح الطريق أمام تسوية سياسية شاملة.

فالمعادلة المطلوبة ليست: السلاح أو الانسحاب، وإنما الانسحاب بالتوازي مع إعادة بناء الشرعية الوطنية، وتوحيد المؤسسات، وإعادة تشكيل النظام السياسي والأمني الفلسطيني.

وعندها فقط يمكن تحويل «عقدة السلاح» من أداة لتعطيل التسوية إلى مدخل لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وحماية المقاومة ضمن شرعية وطنية موحدة، وفتح الطريق أمام تسوية شاملة تنهي الاحتلال وتضع غزة والضفة في مسار سياسي واحد.