صراع الأجنحة في طهران: حين تتقاطع "أيديولوجيا المنبر" مع "ضرورات الدولة"
في مشهد يعكس حالة من الاضطراب الاستراتيجي، لم يعد النظام الإيراني قادراً على احتواء التباينات داخل أروقته بعيداً عن الأعين. لقد تحولت منابر صلاة الجمعة، التي كانت تاريخياً أداة لترسيخ خطاب الدولة الموحد، إلى ساحات مكشوفة لتصفية الحسابات السياسية بين أجنحة السلطة. إن هذا التحول ليس مجرد تراشق لفظي، بل هو إعلان عن انشطار عميق في رؤية النظام لكيفية إدارة أزماته الوجودية، لا سيما في ملفي مضيق هرمز ومستقبل المفاوضات مع الولايات المتحدة.
"هرمز" في مهب الأيديولوجيا: سلاح استراتيجي أم ورقة ضغط؟
تبرز تصريحات إمام صلاة الجمعة في مدينة يزد كنموذج صارخ للنزعة الراديكالية التي ترفض "البراغماتية السياسية". فالدعوة إلى إغلاق مضيق هرمز ووصف هذا الإجراء بأنه يتجاوز في فاعليته القنبلة النووية، تعبر عن تيار يرى في "الضغط على حنجرة العدو" المخرج الوحيد للحفاظ على التوازن الميداني. هذا التوجه يعيد إنتاج لغة المواجهة الصفرية، متجاوزاً أي حسابات جيوسياسية تتعلق باستقرار الإمدادات الدولية أو التبعات الاقتصادية التي قد تواجهها إيران نفسها في حال التصعيد. إن هذا الخطاب يضع الدولة في مأزق دبلوماسي، حيث تُنسف جهود التهدئة من قبل "سلطة موازية" تمتلك نفوذاً واسعاً داخل المؤسسة الدينية.
هشاشة المسار الدبلوماسي: شروط تعجيزية كأداة للعرقلة
إن محاولة النظام الإيراني تمرير رسائل دبلوماسية معينة تصطدم بجدار من التشدد الداخلي الذي يفرض واقعاً مغايراً؛ إذ عندما يضع خطيب الجمعة شروطاً تعجيزية، مثل المطالبة بتسليم قتلة قاسم سليماني وحسن نصر الله كشرط مسبق لأي حوار، فإن الغاية الاستراتيجية تصبح واضحة: وهي نسف المسار الدبلوماسي من جذوره، ووضع الفريق المفاوض في مأزق سياسي يمنعه من تقديم أي مرونة تُفسر داخلياً على أنها تراجع أو استسلام. هذه المطالب ليست مجرد مواقف مبدئية، بل هي "قنابل دخانية" تهدف إلى شل قدرة الوفد المفاوض على اتخاذ أي خطوات مرنة، مما يضع الفريق الدبلوماسي تحت مقصلة التخوين في حال أبدى أي استعداد لتقديم تنازلات.
"أحمد خاتمي" ومبدأ الريبة المطلقة
في طهران، تأتي رسائل أحمد خاتمي لتؤكد أن القيادة الإيرانية تدرك تماماً خطر الانفلات داخل أجنحتها، فتسعى لضبط الإيقاع عبر التحذير من "الابتسامة الأمريكية". إن التحذير من دونالد ترامب وتصويره كطرف لا يمكن الوثوق به ليس موجهاً للغرب فحسب، بل هو رسالة تحذيرية للداخل؛ لمنع أي تقارب أو انفتاح قد تراه أجنحة إصلاحية أو براغماتية ضرورة لإنقاذ الاقتصاد. هذا الخطاب يعكس عمق التخبط في اتخاذ القرار، حيث تُرهن السياسة الخارجية بمدى تطابقها مع الرؤية الأيديولوجية المتصلبة التي يتبناها التيار المحافظ المتشدد.
النظام الإيراني: أزمة وجودية في ثوب "صراع أجنحة"
إن الانتقال من العمل خلف الأبواب المغلقة إلى علنية التخوين عبر المنابر الرسمية يُعد مؤشراً على تآكل مركزية القرار. إن النظام الذي يعاني من أزمة شرعية اقتصادية وضغوط خارجية خانقة، يواجه اليوم خطراً أكبر يتمثل في "تعددية الرؤوس". الصراع حول "مضيق هرمز" ليس صراعاً تقنياً حول الملاحة، بل هو صراع حول "هوية النظام"؛ هل يتجه نحو الدولة الطبيعية التي تراعي مصالحها الوطنية، أم يبقى رهينة لمشاريع "الثورة الدائمة" التي لا تعرف إلا لغة التصعيد؟
إن التموضع الراهن يضع النظام الإيراني أمام خيارات صعبة. فإما الانصياع لضغوط الأجنحة المتطرفة التي قد تقود البلاد إلى مواجهة مفتوحة لا تُحمد عقباها، أو انتزاع القرار من المنابر وإخضاعه لمتطلبات الأمن القومي وإدارة الدولة. إن استمرار هذا التصدع يؤكد أن النظام لا يواجه ضغوطاً من الخارج فحسب، بل هو يعاني من تفكك داخلي قد يعيد صياغة خريطته السياسية في المستقبل القريب.
في ظل هذا الانقسام العلني بين تيار الدولة وتيار المنابر، ما هي الانعكاسات المباشرة لهذا التخبط على قدرة الوفد الإيراني على تقديم ضمانات حقيقية في أي مفاوضات مستقبلية مع واشنطن؟
إن هذا الانقسام العلني يضع الوفد المفاوض الإيراني في مأزق استراتيجي خانق، حيث تفقد الوعود الدبلوماسية قيمتها التنفيذية. فيما يلي تحليل للانعكاسات المباشرة لهذا التخبط على مسارات التفاوض:
1. فقدان "المصداقية التفاوضية
في العلاقات الدولية، تعتمد قيمة الاتفاقات على قدرة الدولة على "الالتزام" بما تبرمه. الانقسام بين تيار الدولة (الذي يسعى لرفع العقوبات) وتيار المنابر (الذي يتبنى خطاً صدامياً) يجعل واشنطن تنظر إلى أي وفد إيراني على أنه "مفاوض مقيد" لا يمتلك الصلاحيات الكاملة. هذا التخبط يؤدي إلى تآكل الثقة، حيث يدرك الطرف الآخر أن أي اتفاق قد يُنسف بقرار من "سلطة موازية" لا تخضع للحكومة، مما يجعل الضمانات الإيرانية محل شك دائم.
2. تحويل المفاوضات إلى "أداة للاستهلاك الداخلي"
يؤدي هذا التخبط إلى تغيير جوهر المفاوضات؛ فبدلاً من أن تكون وسيلة للحل، تصبح ميداناً لـ تصفية الحسابات السياسية. الوفد الإيراني سيجد نفسه مضطراً لتبني مواقف متصلبة (شروط تعجيزية) لإرضاء تيار المنابر وتجنب تهمة "التخوين" في الداخل، مما يفرغ المفاوضات من مرونتها ويحولها إلى جولات عقيمة تهدف فقط إلى شراء الوقت أو استرضاء الداخل، وليس التوصل إلى تسوية مستدامة.
3. إضعاف القدرة على "التنفيذ الفعلي"
حتى لو تم التوصل إلى اتفاق إطاري، فإن قدرة الحكومة الإيرانية على تنفيذ التزاماتها تظل رهينة بموافقة الأجنحة المتشددة. إن سيطرة تيار المنابر على الخطاب السياسي يخلق معوقات إجرائية؛ فقد تقوم الحكومة بتقديم وعود، لكن يتم تعطيلها ميدانياً عبر تصعيد عسكري (مثل تهديد مضيق هرمز) أو تحركات أمنية يقوم بها الحرس الثوري أو الأجهزة المرتبطة به، وهو ما يجعل أي "ضمانة" تقدمها الحكومة مجرد حبر على ورق لا يملك غطاءً أمنياً شاملاً.
4. دفع الطرف المقابل نحو "خيار الاحتواء" بدلاً من "التفاوض"
إن إدراك واشنطن (والقوى الدولية) لتمزق القرار في طهران يدفعها إلى استراتيجية "تجاوز الحكومة". وبدلاً من التفاوض على صفقات شاملة، قد تكتفي القوى الغربية بسياسات "إدارة النزاع" أو العقوبات المشددة، لأنها لا ترى في طهران شريكاً يمكنه تنفيذ التزاماته. هذا التخبط يرسخ قناعة لدى الخصوم بأن "النظام الإيراني ليس كياناً واحداً"، وبالتالي فإن أي تنازل يقدمه الوفد التفاوضي لن يضمن استقراراً في المنطقة أو ضمانات في الملفات الحساسة.
الخلاصة:
إن التخبط بين تيار الدولة وتيار المنابر يحول الوفد الإيراني إلى "واجهة دبلوماسية بلا سلطة حقيقية". إن الانعكاس المباشر لهذا الوضع هو شلل استراتيجي؛ حيث تعجز إيران عن تقديم ضمانات ذات قيمة، ليس بالضرورة بسبب سوء نية المفاوضين، بل بسبب فقدانهم للسيطرة على أدوات القوة التي تفرضها الأجنحة المتطرفة، مما يجعل خيار "التسوية" أبعد من أي وقت مضى.