مقالات

الحــروبُ/ الـبـشـاعـات

الحــروبُ/ الـبـشـاعـات

للـحـرب مـعـنًـى أوسـعُ مـن الـمـعـنـى الـذي اسـتـقـرّ لـهـا فـي الـتّـاريـخ، أو قُـل الـذي اسـتـقـرّ فـي الأذهـان عـنـهـا مـنـذ زمـنٍ بـعـيـد مـن الـعـصـر الحـديـث. لـيـسـتِ الـحـربُ فـعـلاً مـن أفـعـال الإفـنـاء الـمـادّيّ والإيـذاء الـبـدنـيّ بـاسـتـخـدام وسـائـل ذيـنـك الإفـنـاء والإيـذاء مـن أدوات الـفـتـك (الـنّـاريّ وغـيـرِ الـنّـاريّ)، فـقـط، وإنّـمـا هـي - أيـضـاً - كـلُّ فــعْـلٍ عـدوانـيّ يـتـغـيّـا بـه صـاحـبُـه، الـذي يـمـارِسـه، إلـحـاقَ مـسـتـويـاتٍ مـن الأذى مـتـعـدّدةً بـمـن يـقـع عـلـيـه ذلـك الـفـعـل: قـد تـتـدرّج صـعـوداً مـن حـدودٍ دنـيـا (إتـيـانُ الـضّـرر بـالـمـسـتـهـدَف) إلـى حـدودٍ أعـلـى (الـقـتـل). لا يُـخْـتَـصَـر تـعـريـفُ فـعْـلِ الـعـدوان ذاكَ فـي أداةٍ بـعـيـنـهـا تُـتَـوسَّـل لـذلـك الـغـرض، بـل يَـفـيـض عـن أداةٍ حـصـريّـة لـيـشـمـل كـلّ وسـيـلـةٍ يـقـود اسـتـخـدامُـهـا إلـى تـحـصـيـل الـهـدف عـيـنِـه: الإيـذاء الـفـيـزيـقـيّ أو السّـيـكـولـوجـيّ لـغـيـرٍ يُـنْـظَـر إلـيـه بـوصـفـه خـصْـمـاً أو عـدوّاً.

لا يـخـتـلـف مـعـنـى الحـرب هـذا عـن مـعـنـاهُ الـذي تـقـرَّر عـنـد خـبـرائـهـا مـن اسـتـراتـيـجِـيّـيـهـا ودارسـيـهـا. هـذا، مـثـلاً، كـارل ڤـون كـلاوزفـيـتـس: الـقـائـد الـعـسـكـريّ ودارسُ الحـروب ومـؤرِّخُـهـا الألـمـانـيّ الأشـهـر، يـعـرِّف الحـرب بـأنّـهـا فـعْـلٌ مـن أفـعـال السّـيـاسـة، ولـكـنّـه الـفـعـلُ الـذي يـمـارَس بـأدواتٍ غـيـرِ سـيـاسـيّـة (وعـنـه أخـذ لـيـنـيـن مـفـهـوم الحـرب بـوصـفـهـا امـتـداداً للـسّـيـاسـة بـوسـائـل أخـرى)؛ ويـعـرِّف الـهـدفَ مـنـهـا بـأنّـه حَـمْـلُ الخـصـم/الـعـدوّ عـلى الخـضـوع لإرادة مَـن يـحـاربـه والـنّـزولِ عـنـد مـطـالـبـه مـن شـنِّـه تـلـك الحـرب. أمّـا وجْـهُ الـشّـبـه بـيـن مـعـنـى الحـرب، الـذي أثـبـتْـنـاهُ قـبْـلاً، وتـعـريـف كـلاوزفـيـتـس لـهـا فـكـامِـنٌ فـي أنّ فـعْـلَ إخـضـاع الخـصـم/ الـعـدوّ لا يـكـون عـلى وجْـهٍ واحـدٍ وحـيـدٍ وحـصـريّ، وإنّـمـا هـو يـأتـي - عـلى الأغـلـب - مـكـتـسـيـاً صُـوَراً مـنـه مـتـعـدّدةً تـتـضـافـر أسـالـيـبُـهـا جـمـيـعـاً عـلى تـأديـة الـغـايـةِ عـيـنِـهـا مـن الحـرب.

قـد تـخـاضُ الحـرب بـاستـخـدام الـوسـائـل الـنّـاريّـة الـيـوم، أو بـوسـائـل عـسـكـريّـة أخـرى إبـاديّـة (كـيـمـاويّـة، جـرثـومـيّـة، نـوويّـة، هـيـدروجـيـنـيّـة...)؛ وهـذه تـبـدو - عـلى الأقـلّ فـي تـقـديـر كـثـيـريـن - وسـائـل قـاسـيـة أو بـربـريّـة أو مـا شـاكـل؛ وقـد تُـخـاض مـن طـريـق استـخـدام وسـائـل أقـلّ خـشـونـة أو «نـاعـمـة» - فـي وصـف الـبـعـض - مـن قـبـيـل الحـصـار الاقـتـصـاديّ أو العـقـوبـات الاقـتـصـاديّـة، لـكـنّ الـنّـتـيـجـة واحـدة فـي الحـالات جـمـيـعـاً بـحـيـث يَـصِـحّ مـعـهـا مـا يـقـول الـمـأثـور الـشّـعـريّ الـمُـتَـنَـبَّـويّ فـي هـذا الـبـاب («تـعـدَّدتِ الأسـبـابُ والـمـوتُ واحـد»). وإذّ يـكـون الـمـآلُ واحـداً، فـي الـمـطـاف الأخـيـر، تـتـضـاءل الـفـروقُ بـيـن مـا يُـدْعـى «نـاعـمـاً» ومـا يـسـمَّـى بـنـعـتـه الـمـطـابِـق مـن غـيـر تـزويـق (أي قـاسـيـاً)، فـلا يـعـود ثـمّـة مـن وجْـهِ تـفـرقـةٍ بـيـن فـعـلـيْـن يـتـعـاوران - عـلى اخـتـلافٍ فـي الـوسـائـل - فـي تـحـقـيـق الـمـرام مـن الحـرب والـذّهـاب بـالخـصـم/ الـعـدوّ إلـى حـتْـفٍ مـاديّ أو مـعـنـويّ.

إنْ تـركـنـا جـانـبـاً وجـوهـاً فـرعـيّـةً فـي غـائـيّـات الحـروب مـن قـبـيـل الـرّغـبـة فـي إذلال مَـن تـقـع عـلـيـهـم وحـمْـلِـهـم، بـالـقـوّة الـمـادّيّـة الـعـمـيـاء، عـلى الامـتـثـالِ لإرادة الخـصـم والـرُّضـوخِ الـمُـذعِـن لـهـا مـتـلازمـاً، تَـلازُمـاً مـاهـويّـاً، مـع الـشّـعـور بـالـمـهـانَـة والـضَّـعَـة وتَـجَـرُّع مـرارة كـأس الـهـزيـمـة الـمُـرّة (وهـذه كـثـيـراً مـا تـكـون أهـدافـاً مـقـصـودة لـذاتـهـا أو مَـسُـوقـة بـنـوازع الـثّـأر والـقِـصـاص)، وأخـذنـا وجْـهَ الحـروب الـسّـافـر الـذي تـنـصـرف فـيـه إلـى الـفـتْـك والإفـنـاء، فـلـن يـفـيـدَنـا مـعـيـارٌ فـي الـتّـمـيـيـز بـيـن الـمُـنْـحَـطّ مـن أشـكـالِـهـا والـرّديءِ ومـا هـو «أقـلّ» انحـطـاطـاً ورداءةً مـنـهـا؛ كـمـا لـن يُـظْـهـرَنـا الـقـانـونُ الـدّولـيّ وقـيـمُـه - ومـنـه أحـكـامُ اتّـفـاقـيّـة جـنـيـڤ - عـلى فـروق يُـعْـتَـدُّ بـهـا، أخـلاقـيّـاً، بـيـن الـمـشـروع فـي الحـروب واللاّمـشـروع؛ بـيـن مـا هـو جـائـزٌ ركـوبُـه مـن مـسـالـكَ فـيـهـا «قـانـونـيّـة» ومـا هـو غـيـرُ جـائـزٍ مـمّـا يـخـرُج عـن نـطـاق الأطـر «الـقـانـونـيّـة» تـلـك، خـاصّـةً وأنّ «الـتّـمـيـيـز الـقـانـونـيّ» ذاك لا يَـلْـحـظ الـفـارق بـيـن حـقّ الـدّفـاع عـن الـنّـفـس لـمـن يـسـتـحـقُّـه فـعـلاً، وبـيـن حـقّ خـوض حـربٍ يُـشْـتَــرط فـيـهـا، فـقـط، أن تـكـون «نـظيـفـةً»: أعـنـي أن تَـنْـقَـضَّ عـلى الأهـداف الـعـسـكريّـة، مـا شـاء لـهـا الانـقـضـاض، مـن غـيـر أن تـطـالَ الـمـدنـيّـيـن والأهـداف الـمـدنـيّـة (حـتّى إن كـانـوا «مـدنـيّـيـن» مـحـتـلّـيـن أو مـستـوطـنـيـن اقـتـلـعـوا شـعـبَ الأرض مـن أرضـه!) الـتـي يُـدَّعَـى - فـي خـطـاب مـهـنـدسـي الحـروب- أنّـهـا أهـدافٌ مُـحَـاطـة بـ «الـتّـحـريـم»!

تـسـتـوي، بـهـذا الحـسـبـان، أنـواعُ الـقـتْـل جـمـيـعُـهـا: مـا ظَـهَـر مـنـهـا ومـا بَـطَـن؛ مـا دَوّى مـنـهـا ومـا كـان أقـلَّ تـدْويـةً؛ مـا تَـعَـقَّـد مـنـه تـكـويـنُ وسـيـلـةِ الـقـتـل فـيـهـا ومـا بَـسُـط أمـرُه. هـكـذا لا يـعـود مـن داعٍ حـامـلٍ عـلى تـهـويـن شـأن أسـلـوبٍ مـن الإفـنـاء بـعـيـنِـه أو تـهـويـلِ آخـر، والاجـتـهـادِ فـي تـصـنـيـفِ مـا لا يـقْـبَـل الـتّـصـنـيـفَ فـي شـريـعـة الـقـتـل؛ إذْ مَـن قـال إنّ الـقـتـل بـاسـتـخـدام الـسّـلاح الـنّـوويّ - فـي جـريـمـتـيْ هـيـروشـيـمـا ونـاغـازاكـي مـثـلاً - أعـظـمُ عـنـد اللّـه والإنـسـان، عـنـد الـدّيـن والـقـانـون، مـن الـقـتْـل بـالـسّـلاح الـكـيـمـاويّ والـبـيـولـوجـيّ، كـمـا فـي جـرائـم الـجـيـش الإسـپـانـيّ ضـدّ ثـورة الـرّيـف فـي الـشّـمـال الـمـغـربـيّ بـقـيادة الـقـائـد الوطـنـيّ الـتّـحـرّريّ مـحـمّـد بـن عـبـد الـكـريـم الخَـطَّـابـيّ، فـي عـشـريـنـيّـات الـقـرن الـعـشـريـن، أو كـمـا فـي جـرائـم الإبـادات الـعـسـكـريّـة الأمـريـكـيّـة للـشّـعـب الـڤـيـيـتـنـامـيّ فـي سـنـوات الـسّـتـيـنـيّـات والـسّـبـعـيـنـيّـات مـن الـقـرن الـمـاضـي، أو كـمـا فـي جـريـمـة الإبـادة الجـمـاعـيّـة للـشّـعـب الـفـلـسـطـيـنـيّ فـي غـزّة الـيـوم؟؛ ومَـن قـال إنّ إفـنـاء الـنّـاس بـالـنّـوويّ والـكـيـمـاويّ والجـرثـومـيّ أشـدُّ حـيـوانـيّـةً وهـمـجـيّـةً مـن الـقـتـل بـالـسّـلاح الـتّـقـلـيـديّ: صـواريـخَ وقـذائـفَ ورصـاصـاً... وأشـدُّ مـضـاضـةً عـلى الـنّـفـس، أو هـو أدنـى إلـى قـانـون الـدّول مـن قـانـون الـغـاب؟

لـيـس مـن طـريـقٍ قـانـونيٍّ أو فـكـريّ نـاجـح إلـى تـلـمـيـع الـقـتـل: وهـو فـعـلٌ قـبـيـحٌ شـنـيـع. الـقـتـل - الإفـنـاء - وحـده لا يَـقْـبَـل تـجـمـيـلاً حـيـث مـا مِـن مَـحْـسَـنَـةٍ فـيـه يـسـوغُ بـهـا أمـرُه. لـذلـك كـانـتِ الحـربُ، ومـا بـرِحـت، وسـتَـبْـقـى الـمَـلْـمَـحَ الأبـشـع فـي وجْـه الـبـشـريّـة.