مقالات

سلاح الأطفال النووي

سلاح الأطفال النووي

أطفال الشعب العربي الفلسطيني يمارسون في الصيف عادة لعبة الطائرات الوقية (الطبق الطائر)، كأحد الهوايات الممتعة للتسلية، والتنافس فيما بينهم على من يصنع طائرة أجمل أو أكبر وأكثر الوانا وتحليقا ابعد في السماء، والبعض يصنع الطائرات لبيعها لأقرانه. وفي زمن الإبادة الجماعية الإسرائيلية على الشعب العربي الفلسطيني، ورغم الموت والدمار غير المسبوق للمدن والمخيمات والقرى في قطاع غزة بعد السابع من تشرين اول / أكتوبر 2023، يخرج الأطفال من تحت الدمار وخيام النزوح ومراكز الايواء لينفسوا عن أنفسهم، ويبعثوا الأمل في أرجاء الخراب والدمار، ويطلقوا أكسجين الحياة لاستنهاض واحياء روح البقاء، وقهر بشاعة الواقع المأساوي النكبوي والكارثي الإسرائيلي، والتغلب على تعقيدات السنوات الثلاث العجاف، وانتزاع لحظات فرح محدودة في ظل غياب الملاهي والملاعب وانتفاء الألعاب، التي دمرتها الطائرات الحربية والمسيرة والبوارج والصواريخ والقنابل الإسرائيلية.

لكن دولة الإبادة الجماعية الإسرائيلية، ذات الترسانة النووية والأسلحة البيولوجية والكيماوية والفسفور الأبيض والاحمر واسلحة الدمار الشامل والأسلحة التقليدية الكلاسيكية، تدعي الخشية من هذه الطائرات الورقية الخالية من أية مواد مهددة لحياة البشر، بل هي عنوانا للفرح والامل والمتعة، واعتبرتها القيادات الإسرائيلية بمستوييها السياسي والعسكري بأنها تشكل تهديدا للأمن الإسرائيلي، وتعقيبا على وقوع نحو 10 أطباق طائرة في الغلاف الحدودي بين قطاع غزة والمستعمرات الإسرائيلي، هدد بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي الجماهير الفلسطينية عموما واطفالهم خصوصا، في حال تحليق تلك الاطباق، فإنه سيلجأ لإخلاء وتهجير السكان الفلسطينيين من المناطق التي تُطلق منها الطائرات الورقية في غزة؛ واعتبر وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن إطلاق هذه الاجسام هو "عمل حربي بكل معنى الكلمة." كما أصدرت القيادة العسكرية الأمنية الإسرائيلية تعليمات للجيش بالتحرك الفوري وقمع أي محاولات لإطلاق أجسام تجاه بلدات الغلاف والنقب الغربي.

ولم يتوقف الأمر عند حدود ما صرح به المستويين السياسي والعسكري، بل أن المنظومة الأمنية الإسرائيلية "منحت آلية "مجلس السلام" المسؤولة مبدئيا عن الوضع في غزة، مهلة 3 أيام لوقف إطلاق الطائرات الورقية من قطاع غزة بشكل كامل، والا ستنفذ إسرائيل تهديداتها." وفق ما أوردته القناة العبرية "12"، أمس الاثنين 24 آب / أغسطس 2026. التي أضافت، أنه "في حال عدم الاستجابة، وعد نتنياهو وكاتس بأن الجيش الإسرائيلي سيعمل على تكثيف قمع المسؤولين عن عمليات الإطلاق، وإجلاء السكان من المناطق التي تُطلق منها الطائرات الورقية والبالونات."

الضجيج الإعلامي والتعبوي والتحريضي الإسرائيلي، لم يأت من فراغ، ولا هو نزق آني بلا له أهداف سياسية وعسكرية، وهو جزء من سياسة برنامجية تستهدف تحقيق أكثر من هدف: أولا تأتي الحملة المفتعلة والمقصودة عشية الانتخابات الإسرائيلية، وتسعى حكومة الائتلاف النازي الحاكم بقيادة نتنياهو لاستغلالها واستثمارها في تأجيج الوضع لإعادة نيران ودمار الإبادة الجماعية الى ما كانت عليه قبل 13 أكتوبر 2025، أي قبل اتفاق وقف إطلاق النار، الذي لم يتوقف للحظة، ومازالت عمليات القتل والتدمير متواصلة، لتعزيز مكانة رئيس الحكومة وائتلافه الحاكم، الذي تشير استطلاعات الرأي لتراجع حظوظه في الانتخابات المقبلة؛ ثانيا كون الحكومة الإسرائيلية لم تحقق أي من اهداف الإبادة التي أعلنت عنها ما بعد 7 أكتوبر 2023، فهي بحاجة ماسة لتحقيق أي من الأهداف، وخاصة هدف التهجير القسري للمواطنين الفلسطينيين الى خارج الوطن الفلسطيني، وليس من الشمال الى الجنوب فقط؛ ثالثا لقطع الطريق على تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ولإغلاق الباب أمام دخول ما يسمى "مجلس السلام" واللجنة الإدارية التكنوقراطية الفلسطينية، ولعدم السماح بالشروع في ملف إعادة الاعمار في قطاع غزة، وللتهرب من الاستحقاقات التي تضمنتها خطة ترمب وقرار مجلس الامن الدولي 2803؛ رابعا لمواصلة فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وأيضا للحؤول دون إجراء الانتخابات الفلسطينية؛ وخامسا وبالارتباط بالنقطة الأولى، لتأجيل الانتخابات الإسرائيلية أو حتى إن أمكن الغائها، المقررة في 27 أكتوبر القادم هروبا الازمة التي يعيشها، والتفافا على المعارضة الإسرائيلية، وحرفا لبوصلة مزاج الراي العام الإسرائيلي.

إذاً أكاذيب نتنياهو وكاتس والمؤسسة الأمنية، بأن الطائرات الورقية تشكل تهديدا حربيا على المستعمرات الإسرائيلية، واعتبارها "قنابل نووية" و"أسلحة دمار شامل"، باتت مكشوفة ومفضوحة، ولم ولن تقنع بعوضة أو ذبابة، وليس انسانا عاقلا، الامر الذي يتطلب من العالم أجمع والولايات المتحدة خصوصا كبح نزعات عودة الإبادة الجماعية لدى ملك إسرائيل الكاذب، وإلزامه بتنفيذ المرحلة الثانية والسماح بإدخال المساعدات الإنسانية كافة، والشروع بإعادة الاعمار، وتولي اللجنة الإدارية الفلسطينية لمهامها، وتولي قوات الاستقرار التابعة لمجلس السلام لمهامها في غزة.