أخبار

أ ب: لماذا تعجز إسرائيل عن كبح عنف المستوطنين؟..القصة تتجاوز نتنياهو

أ ب: لماذا تعجز إسرائيل عن كبح عنف المستوطنين؟..القصة تتجاوز نتنياهو

تل أبيب: لا يبدو أن عجز إسرائيل عن كبح عنف المستوطنين في الضفة الغربية يقتصر على موقف رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو أو على سياسات حكومته الحالية، بل يرتبط بمنظومة سياسية وأمنية وقانونية تراكمت على مدى عقود، وفق تقرير لوكالة أسوشيتد برس.

ويبرز الوضع في قرية قصرة بالضفة الغربية المحتلة مثالاً على ذلك، حيث اضطر فلسطينيون إلى البقاء داخل منازلهم لأيام وسط مخاوف من هجمات المستوطنين، في وقت لم يتمكن فيه الجيش الإسرائيلي من إنهاء وجود المستوطنين في المنطقة بشكل كامل، رغم القدرات العسكرية والاستخباراتية التي أظهرها خلال السنوات الماضية.

وأثارت الأحداث انتقادات أمريكية حادة، إذ وصف السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي المستوطنين المتورطين في أعمال العنف بأنهم "إرهابيون"، بينما وصف وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس المتطرفين منهم بأنهم "شباب التلال".

لكن تقرير أسوشيتد برس يرى، أن هؤلاء المستوطنين يمثلون رأس حربة لحركة استيطانية أوسع، حظيت بدعم متفاوت من الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وتعزز نفوذها بصورة كبيرة خلال حكومة نتنياهو الحالية.

مستوطنات توسعت على مدى عقود

احتلت إسرائيل الضفة الغربية، إلى جانب قطاع غزة والقدس الشرقية، في حرب عام 1967. ومنذ ذلك الحين أقامت عشرات المستوطنات، تحول عدد كبير منها إلى تجمعات سكنية متطورة تضم آلاف الوحدات السكنية والمرافق التجارية والصناعية.

وبالتوازي مع المستوطنات الرسمية، أقام مستوطنون متطرفون مئات البؤر الاستيطانية من دون موافقات حكومية رسمية، بينما تقول منظمات حقوقية إن هذه البؤر استفادت في كثير من الأحيان من حماية الجيش وخدمات الدولة.

وفي عهد حكومة نتنياهو الحالية، التي توصف بأنها الأكثر تطرفا ودينية في تاريخ إسرائيل، تسارع التوسع الاستيطاني. وفي الوقت نفسه، يتبنى عدد من أعضاء الحكومة رؤية تعتبر الضفة الغربية جزءاً من الوطن التاريخي والتوراتي للشعب اليهودي، ويرون في الاستيطان وسيلة لتعزيز الأمن وترسيخ الوجود الإسرائيلي في المنطقة.

في المقابل، تعتبر غالبية المجتمع الدولي المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي وعائقاً أمام إقامة دولة فلسطينية والتوصل إلى حل سياسي للصراع.

نظامان قانونيان في الضفة الغربية

يعيش نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية في ظل منظومة قانونية عسكرية إسرائيلية، مع ممارسة السلطة الفلسطينية صلاحيات محدودة في بعض المناطق.

وفي المقابل، يتمتع المستوطنون الإسرائيليون بالجنسية الإسرائيلية ويخضعون في الغالب للشرطة والمحاكم المدنية الإسرائيلية.

ويقول منتقدون إن هذا الوضع أدى عملياً إلى وجود نظامين قانونيين مختلفين في المنطقة نفسها، وهو ما دفع منظمات حقوق إنسان إسرائيلية ودولية إلى توجيه اتهامات لإسرائيل بممارسة سياسات ترقى إلى الفصل العنصري، وهي اتهامات ترفضها إسرائيل بشدة.

وكان يسرائيل كاتس قد أعلن في عام 2024، أن الإسرائيليين لن يخضعوا بعد ذلك للاعتقال الإداري، كما أعلن مؤخراً عن خطط لنقل مسؤولية إنفاذ القانون المتعلقة بالمستوطنين إلى الشرطة الإسرائيلية.

وبرر كاتس ذلك بأن مهمة الجيش الأساسية هي مواجهة التهديدات الفلسطينية وحماية الحدود والمستوطنات، وليس ملاحقة المستوطنين المتطرفين.

اتهامات للجيش بالتساهل

يقول الجيش الإسرائيلي إن أعمال المستوطنين في قصرة «غير قانونية ومستهجنة وغير مقبولة»، وإنه يعمل على الحفاظ على الأمن والنظام في الضفة الغربية، مشيراً إلى تفكيك بؤرتين استيطانيتين واعتقال إسرائيلي على خلفية الأحداث.

لكن منظمات حقوقية إسرائيلية تقول إن التعامل مع عنف المستوطنين ظل يمثل مشكلة مزمنة.

وبحسب منظمة "يش دين" الحقوقية، انتهت نحو 94% من التحقيقات المتعلقة بعنف المستوطنين منذ عام 2005 من دون توجيه اتهامات، بينما أسفرت نسبة محدودة فقط عن إدانات كاملة أو جزئية.

وترى المنظمة أن هذه الأرقام تعكس ضعف آليات المحاسبة، بينما تؤكد إسرائيل أن قواتها تتعامل مع أي انتهاك للقانون وفق الإجراءات المعمول بها.

العقوبات الأمريكية لم توقف العنف

تصاعد عنف المستوطنين بعد هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما أعقبه من حرب في قطاع غزة.

وفرضت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن عقوبات على مستوطنين ومنظمات إسرائيلية اتُهمت بالتورط في أعمال عنف ضد الفلسطينيين، كما فرضت دول غربية أخرى عقوبات على شخصيات إسرائيلية بارزة، بينها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، على خلفية اتهامات بالتحريض على العنف.

لكن هذه الإجراءات لم تؤد، وفق التقرير، إلى تغيير جوهري في سلوك حركة المستوطنين.

ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، ألغت الإدارة الأمريكية العقوبات التي فرضتها إدارة بايدن، في خطوة عكست تحولاً في السياسة الأمريكية تجاه ملف المستوطنين.

نتنياهو ليس وحده

تتمثل إحدى أبرز نقاط التقرير في أن انتقاد عنف المستوطنين لا يعني بالضرورة معارضة المشروع الاستيطاني نفسه.

فعدد من خصوم نتنياهو انتقدوا الأحداث في قصرة وطالبوا بفرض القانون على المستوطنين، لكنهم في الوقت نفسه لا يعارضون استمرار المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

وانتقد غادي آيزنكوت، الجنرال الإسرائيلي السابق وأحد أبرز خصوم نتنياهو، تعامل الحكومة مع أحداث قصرة، متهماً إياها بإضعاف القيادة العسكرية في مواجهة الفوضى وانتهاك القانون. لكنه قال أيضاً إنه لا يتبنى موقفاً يدعو إلى إقامة دولة فلسطينية، وإنه يؤيد المستوطنات التي يرى أنها تتوافق مع المصالح الإسرائيلية.

كما أدان نفتالي بينيت، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق وأحد أبرز منافسي نتنياهو، عنف المستوطنين ووصفه بأنه "إرهاب" تمارسه أقلية.

إلا أن بينيت أكد في الوقت نفسه إيمانه بحق الإسرائيليين في الأرض وبالمشروع الاستيطاني، داعياً إلى مواجهة العنف من داخل المجتمع الإسرائيلي.

معضلة سياسية تتجاوز نتنياهو

وتكشف هذه المواقف عن معضلة أوسع داخل السياسة الإسرائيلية: فهناك فارق بين رفض العنف الذي يرتكبه بعض المستوطنين وبين رفض التوسع الاستيطاني باعتباره سياسة.

ويشير تقرير أسوشيتد برس إلى أن نتنياهو يعتمد سياسياً على أحزاب وشخصيات مؤيدة بقوة للمستوطنين، ما يجعل التعامل الحازم مع التيارات المتطرفة داخل الحركة الاستيطانية مسألة حساسة بالنسبة إلى تماسك ائتلافه الحكومي.

وفي الوقت نفسه، فإن دعم الاستيطان لا يقتصر على معسكر نتنياهو، بل يمتد إلى قطاعات من المعارضة السياسية الإسرائيلية.

وبذلك، فإن ملف عنف المستوطنين في الضفة الغربية لا يبدو مجرد قضية أمنية يمكن حسمها بإصدار أوامر للجيش أو الشرطة، بل يرتبط بصراع أعمق حول مستقبل الضفة الغربية، وطبيعة السيطرة الإسرائيلية عليها، وموقف إسرائيل من إقامة دولة فلسطينية.

وتخلص أسوشيتد برس إلى أن فهم أسباب استمرار عنف المستوطنين يتطلب النظر إلى هذه المنظومة السياسية والقانونية والأمنية بأكملها، وليس إلى نتنياهو وحده.