زلازل الشارع الإيراني: تقاطع الاحتجاجات المعيشية مع الحراك الدبلوماسي لتفكيك منظومة ولاية الفقيه
مقدمة استراتيجية في تقاطع الأزمات الداخلية والخارجية
يشهد المشهد الإيراني توترات غير مسبوقة تعكس تآكلاً متسارعاً وواضحاً في شرعية النظام الحاكم. ولم تعد الاحتجاجات الشعبية مجرد ردود فعل قطاعية عابرة أو مطالب فئوية محدودة، بل تحولت تدريجياً إلى حراك بنيوي عميق يربط بدقة بين الانهيار الاقتصادي الهيكلي، والمغامرات العسكرية الخارجية، وسياسات القمع الداخلي الممنهج. وفي ظل تفاقم الأزمات المعيشية والسياسية، تتكامل احتجاجات الفئات المتقاعدة في الداخل مع التحركات الدبلوماسية الواسعة التي تقودها الجاليات الإيرانية في العواصم الغربية، مما يضع منظومة ولاية الفقيه أمام مأزق الوجود المزدوج بين جبهة داخلية ترفض الاستبداد وأخرى خارجية تحاصر شرعيته السياسية والدبلوماسية على المستوى الدولي.
دلالات اتساع احتجاجات المتقاعدين وتحدي خيار الحرب
مثّل اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية للمتقاعدين في سبع محافظات كبرى — منها شوش، والأهواز، وأصفهان، وكرمانشاه — نقطة تحول نوعية ومهمة في خطاب الشارع الإيراني المعارض. فالاحتجاجات لم تقتصر حصراً على المطالبة بصرف المستحقات المالية المتأخرة وتعديل الرواتب لمواجهة التضخم الفاحش وتآكل القدرة الشرائية، بل تجاوزت ذلك نحو تفكيك المبررات الأيديولوجية والسياسية للسلطة. فقد رفعت الحناجر شعارات صريحة وجريئة ترفض المغامرات العسكرية، مثل "لا نريد حرباً بعد اليوم" و"الحرب والمفاوضات ذريعة وحياتنا هي المستهدفة"، فضلاً عن إسقاط الشعار النووي بشعار نوعي هو "التخصيب للحياة". هذا التحدي العلني يثبت أن الطبقات الكادحة أدركت تماماً أن تبديد الثروات الوطنية على البرنامج النووي ومشاريع التسلح والحروب الإقليمية هو السبب المباشر لفقرهم وانهيار صناديق التقاعد.
تآكل حاجز الخوف وكسر قبضة الإعدامات الممنهجة
تواجه سياسات الترهيب الحكومية، لاسيما الاعتقالات التعسفية وأحكام الإعدامات الممنهجة، مقاومة شعبية متصاعدة تعكس بوضوح كسر حاجز الخوف بشكل كامل. فالتجمعات المشتركة للمتقاعدين والتربويين والعمال في طهران ورشت رفعت شعارات صريحة تطالب بالإفراج الفوري عن المتظاهرين المعتقلين ووقف عقوبات الموت الظالمة. إن هذا التلاحم الميداني يوضح بجلاء أن سياسة زرع الرعب عبر المشانق قد فقدت فاعليتها تماماً، وأصبحت العوامل الاقتصادية والمعيشية الدافعة للقوة الشعبية قادرة على مواجهة آلة القمع والقهر. والمستهدف هنا ليس مجرد تحسين الخدمات العامة، بل تفكيك أصل السياسات الكلية للنظام عبر انتفاضة منظمة ترفض تماماً العودة للماضي الاستبدادي سواء تحت عباءة الشاه أو الملالي.
الحراك الدبلوماسي للمقاومة وتوسيع العزلة الدولية
في موازاة الضغط الميداني الداخلي المتصاعد، شهدت الفترة الممتدة في أغسطس 2026 حملة دبلوماسية وجماهيرية واسعة نظمها أنصار المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في عواصم أوروبية رئيسية مثل لندن، وباريس، وبرلين، وبروكسل. تزامنت هذه الفعاليات الكبرى مع إحياء ذكرى مجزرة عام 1988 والتنديد الشديد بموجة الإعدامات الجديدة. وقد ركزت التحركات على حشد الدعم الدولي لخطط الجمهورية الديمقراطية وفصل الدين عن الدولة، إضافة إلى دعم الحملة العالمية لتمويل تلفزيون المقاومة. هذا التناغم الاستراتيجي بين الخارج والداخل يضيّق الخناق السياسي على طهران، ويفشل محاولاتها المستمرة لعزل حركات التحرر، ويؤسس لشرعية بديلة تستند حصراً إلى الاعتماد على الذات والإرادة الشعبية الخالصة للوصول إلى التغيير المنشود وإنهاء الدكتاتورية.