أخبار

الشرق الأوسط بعد الحروب الكبرى: عودة التوازنات القديمة واستمرار الصراع

الشرق الأوسط بعد الحروب الكبرى: عودة التوازنات القديمة واستمرار الصراع

واشنطن: خلص تحليل نشرته مجلة Foreign Affairs إلى أن سلسلة الحروب والتحولات التي شهدها الشرق الأوسط منذ هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مرورًا بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، وصولًا إلى الحرب في غزة وسقوط نظام بشار الأسد، لم تُفضِ إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي كما كان متوقعًا، بل أعادت إنتاج معظم التوازنات والصراعات القديمة بأشكال جديدة. ويذهب كاتب المقال، إف. غريغوري غوز الثالث، إلى أن المنطقة تبدو اليوم، رغم حجم الدمار، أقرب إلى ما كانت عليه قبل اندلاع هذه الأزمات.

إيران: خسائر عسكرية… ومكاسب استراتيجية

بحسب تحليل Foreign Affairs، تعرضت إيران خلال الحرب الأمريكية–الإسرائيلية إلى خسائر كبيرة، شملت فقدان مرشدها الأعلى وتدمير أجزاء واسعة من بنيتها الدفاعية، إلا أنها تمكنت في نهاية المطاف من استعادة موقعها الإقليمي عبر الحفاظ على تماسك النظام السياسي، وتعزيز نفوذها في مضيق هرمز، والإبقاء على برنامجها النووي دون التزام واضح بالتخلي عنه، مع استمرار هيمنة الحرس الثوري على مفاصل الدولة.

غزة: الحرب غيّرت المشهد العسكري لا السياسي

يرى المقال أن الحرب الطويلة في غزة لم تُحدث تحولًا سياسيًا جذريًا. فحركة حماس، رغم إضعافها، لم تُنزع أسلحتها بالكامل، بينما بقيت إسرائيل تسيطر على أجزاء واسعة من القطاع، ولم تدخل اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية التي اقترحتها خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حيز التنفيذ حتى يوليو/تموز 2026، ما يعني استمرار حالة الجمود السياسي.

تراجع التقارب الخليجي مع إسرائيل

ويشير التقرير إلى أن السنوات الثلاث الماضية شهدت تحولًا ملحوظًا في مواقف دول الخليج تجاه إسرائيل. فبعد مرحلة اتسمت بالتقارب والتوسع في اتفاقيات أبراهام، أدى استمرار الحرب في غزة والضربة الإسرائيلية على قطر إلى تراجع هذا المسار، مع بقاء الإمارات الدولة الخليجية الوحيدة التي حافظت على مستوى العلاقات السابق مع إسرائيل.

سوريا ولبنان: أنظمة جديدة… وأزمات مستمرة

كما يتناول المقال تداعيات سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وصعود أحمد الشرع إلى السلطة، لكنه يؤكد أن سوريا ما زالت تعاني هشاشة أمنية وسياسية مع استمرار الاشتباكات الداخلية. وفي لبنان، يرى الكاتب أن تجدد المواجهة بين إسرائيل وحزب الله خلال عام 2026 أضعف الدولة اللبنانية الناشئة أكثر مما أضعف الحزب نفسه، رغم انتخاب رئيس جديد ومحاولات استعادة مؤسسات الدولة لدورها.

الحوثيون يعودون إلى التصعيد

ويضيف المقال أن الحوثيين أعلنوا حصارًا بحريًا جديدًا ضد السعودية بعد فترة من الهدوء، في مؤشر على عودة اليمن إلى قلب الصراع الإقليمي، وارتباط ذلك باستراتيجية إيران الإقليمية.

انتقادات لسياسة حكومة نتنياهو

ويحمّل الكاتب حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مسؤولية إضاعة فرصة تحويل المكاسب العسكرية إلى تسويات سياسية، معتبرًا أنها ركزت على توسيع الاستيطان في الضفة الغربية، وإضعاف السلطة الفلسطينية، وعرقلة جهود بناء الدولة في كل من لبنان وسوريا، بدلاً من الدفع نحو ترتيبات إقليمية أكثر استقرارًا.

رؤية لاستقرار أكثر واقعية

ويقترح الكاتب أربعة مسارات رئيسية لتحقيق قدر أكبر من الاستقرار في الشرق الأوسط، تتمثل في:

  • الحفاظ على الوجود العسكري الأمريكي في الخليج بوصفه عنصر ردع وضمان للحلفاء.

  • استئناف المفاوضات النووية مع إيران.

  • إنشاء إطار دولي متعدد الأطراف لإدارة الملاحة في مضيق هرمز على غرار النظم المنظمة لقناة السويس ومضيق ملقا.

  • ممارسة ضغط أمريكي حقيقي على إسرائيل لدفع مسار يحقق حدًا أدنى من تقرير المصير للفلسطينيين، مع الحفاظ على أمن إسرائيل.

يخلص تقرير Foreign Affairs إلى أن الشرق الأوسط، رغم الحروب غير المسبوقة التي شهدها خلال الأعوام الأخيرة، لم يشهد تحولًا جذريًا في بنية الصراعات أو موازين القوى. فالقضية الفلسطينية ما زالت دون حل، والمواجهة الإيرانية–الإسرائيلية مستمرة، والدول العربية تعاني هشاشة مزمنة، فيما تواصل الولايات المتحدة انخراطها العسكري والسياسي دون امتلاك رؤية قادرة على فرض نظام إقليمي مستقر. ويرى الكاتب أن المنطقة تقف اليوم أمام واقع يشبه ما سبق الحروب، الأمر الذي يجعل احتمالات اندلاع جولة جديدة من الصراع قائمة بقوة.