مقالات

أشرف دبور... عندما يأكل الفساد أبناءه

أشرف دبور... عندما يأكل الفساد أبناءه

لم يعد السؤال في القضية الفلسطينية من هو الفاسد، بل من يملك القرار في تحديد من يُحاسب ومن يُحمى. فالدول التي تحترم القانون تجعل القضاء سيد الجميع، أما الأنظمة التي تتحكم بها مراكز النفوذ، فغالباً ما يصبح القضاء جزءاً من معركة السلطة، وتتحول ملفات الفساد إلى سلاح يُشهر في وجه الخصوم، بينما تبقى الملفات الأكثر حساسية مغلقة بإحكام.

توقيف السفير الفلسطيني السابق في لبنان أشرف دبور بناءً على مذكرة دولية يفتح باباً واسعاً للتساؤلات، لكنه لا يبرر إصدار أحكام مسبقة قبل أن يقول القضاء كلمته. غير أن القضية، سياسياً، تتجاوز شخص دبور نفسه. فهي تعكس أزمة نظام حكم فلسطيني فقد منذ سنوات القدرة على إقناع شعبه بأن الجميع متساوون أمام القانون.

إذا كانت السلطة الفلسطينية جادة في محاربة الفساد، فإن الفلسطينيين ينتظرون رؤية معايير واحدة تُطبق على الجميع، لا على من خرجوا من دائرة النفوذ فقط. فالشارع الفلسطيني يتساءل منذ سنوات عن ملفات تتعلق بإدارة المال العام، والعطاءات، والاستثمارات، وتداخل السلطة مع المصالح الاقتصادية، وهي ملفات أثارت نقاشاً واسعاً في الإعلام والسياسة، لكنها لم تصل إلى مستوى الشفافية والمساءلة التي تستحقها.

المشكلة ليست في أن يُحاسب أشرف دبور إن ثبتت عليه أي مخالفات، بل في أن تبقى أسماء نافذة بعيدة عن أي مساءلة سياسية أو قانونية. وهذا ما يجعل كثيرين يرون أن مكافحة الفساد تُستخدم أحياناً كأداة لإعادة ترتيب موازين القوى داخل النظام، أكثر من كونها مشروعاً وطنياً للإصلاح.

أما محاولة ربط ما يجري بالساحة اللبنانية، فهي قراءة تفتقر إلى الإنصاف. لبنان ليس مرادفاً للفساد، كما يحاول البعض تصويره. نعم، فيه فساد، كما في دول كثيرة، لكن الفساد فيه لا يمثل شعبه ولا تاريخه.

الساحة اللبنانية ليست عبئاً على القضية الفلسطينية، بل كانت أحد أهم أعمدتها. من بيروت خرج القرار الوطني الفلسطيني إلى العالم. وعلى أرض لبنان دفعت المخيمات الفلسطينية ثمناً باهظاً دفاعاً عن الهوية الوطنية الفلسطينية، وسقط آلاف الشهداء، وتعرضت المخيمات للحصار والاجتياحات والدمار لأنها تمسكت بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني.

من الظلم الأخلاقي والسياسي أن تتحول الساحة التي احتضنت الثورة الفلسطينية إلى شماعة تُعلق عليها أخطاء منظومة الحكم الفلسطينية. فمن صنع القيادات الفلسطينية لم يكن الفساد اللبناني، بل الشعب اللبناني والفلسطيني معاً، اللذان تحملا عقوداً من الحروب والتهجير والحصار دفاعاً عن القضية الفلسطينية.

وإذا كان أشرف دبور اليوم في قلب العاصفة، فإن القضية الحقيقية ليست شخصه، بل النظام الذي أنتج عشرات الأزمات ثم حاول اختزالها في أفراد. فالأوطان لا تُصلح بالتضحية بالأشخاص، بل بإصلاح المؤسسات. ولا تُبنى العدالة بالانتقائية، بل بالمساواة.

إن السلطة التي تطالب شعبها بالثقة، مطالبة أولاً بأن تثبت أن القانون لا يعرف الأسماء الكبيرة ولا العلاقات العائلية ولا مراكز النفوذ. فالدولة التي تُحاسب الضعفاء وتتردد أمام الأقوياء لا تحارب الفساد، بل تعيد إنتاجه بثوب جديد.

قد يُدان أشرف دبور، وقد تثبت براءته، وهذا أمر يقرره القضاء وحده. أما الذي لا يحتاج إلى حكم قضائي، فهو أن الفلسطينيين يستحقون نظاماً سياسياً لا يخشى الشفافية، ولا يجعل العدالة انتقائية، ولا يسمح بأن تتحول المؤسسات الوطنية إلى أدوات في صراعات النفوذ.

وعندما تصبح المحاسبة شاملة، ويخضع لها الجميع بلا استثناء، عندها فقط يمكن القول إن فلسطين بدأت معركتها الحقيقية ضد الفساد، لا ضد الأشخاص.