الـعـربُ والـمـسـلـمـون فـي مـيـزان أمـريـكـا
أعـادت حـربُ أمـريـكـا عـلى إيـران إيـقـاظَ شـعـور الخـيـبـةِ الـشّـامـلـةِ بـلادَ الـعـرب والـمـسـلـميـن مـن سـيـاسـاتـهـا الـتّـمـيـيـزيّـة ضـدّهـم مـن دون شـعـوب الـعـالـم وأمـمِـه قـاطـبـة. لازمـهـم هـذا الـشّـعـورُ مـنـذ زمـنٍ بـعـيـدٍ ولـم يـبـرحـهـم: مـنـذ أطـاحـت اسـتـخـبـاراتُـهـا بـحـكـومـة مـحـمّـد مـصـدَّق الـوطـنـيّـة فـي إيـران، مـطـالـع الخـمـسـيـنـيّـات مـن الـقـرن الـمـاضـي، حـتّـى تـمـويـلِـهـا ورعـايـتِـهـا مـئـات الآلاف مـن الـمـنـتـسـبـيـن إلـى الجـمـاعـات المـسـلّـحـة فـي سـوريـة فـي غـزوتـهـم لإسـقـاط الـنّـظـام والـدّولـة فـي الـبـلاد بـيـن الـ 2013 والـ 2024. ومـا نـسـيَ أحـدٌ مـا بـيـن الـتّـاريـخـيـن هـذيْـن مـن سـابـقـات عـدائـيّـة أقـدمـت عـلـيـهـا الإداراتُ الأمـريـكـيّـة الـمـتـعـاقـبـة تـجـاه شـعـوب ذيـنـك الـعـالـمـيْـن ودولِـهـا وتـركـتْ آثـارَهـا عـمـيـقـةً فـي حـاضـرهـا وأمـنـهـا واسـتـقـرارهـا وفـي مـسـتـقـبـلـهـا؛ نـعـم، مـا نـسـيَ أحـدٌ مـا جـرى في الـسّـبـعـيـن عـامـاً الـمـنـصـرمـة مـن جـسـيـمِ الارتـكـابـات الـسّـيـاسـيّـة؛
رعـايـةُ الـولايـات الـمـتّـحـدة الـمـشـروعَ الـصّـهـيـونـيّ فـي فـلـسـطـيـنَ والـمـشـرق الـعـربـيّ والـتّـمـكـيـنُ لـه مـنـذ عـهـد الـرّئـيـس الـجـنـرال أيـزنـهـاور حـتّـى اللّـحـظـة وعـبـر الـعـهـود الـرّئـاسـيّـة كـافّـة. سـتـرث أمـريـكـا، بـعـد حـرب الـسّـويـس (1956)، دور الـرّاعـي الـرّئـيـس لـ «إسـرائـيـل» بـدلاً مـن بـريـطـانـيـا وفـرنسـا الـمـتـهـالـكـتـيـن، وسـتـقـدّم لـهـا مـخـتـلـف صُـور الـدّعـم الـمـالـيّ والـعـسـكـريّ والاسـتـخـبـاريّ والـعـلـمـيّ والسّـيـاسـيّ، وسـتـغـطّـي عـلى جـرائـمـهـا ضـدّ الـشّـعـب الـفـلـسـطـيـنـيّ وشـعـوب الـطّـوق الـعـربـيّـة مـن طـريـق اسـتـخـدامـهـا سـلطـة الـڤـيـتـو عـلى كـلّ قـرار دولـيّ يـديـن تـلـك الجـرائـم ويـشـدّد عـلى حـقـوق شـعـب الأرض الـفـلسـطـيـنـيّ. وغـنـيٌّ عـن الـبـيـان أنّ أمـريـكـا شـاركـت، بـرعـايـتـهـا إسـرائـيـل، فـي كـلّ تـلـك الجـرائـم؛
تـقـويـضُ مـشـاريـع الـتّـوحيـد الـعـربـيّ. وأوّلُ عـمـلـهـا، فـي هـذا الـبـاب، مـنـاهـضـةُ الـوحـدة المـصـريّـة الـسّـوريّـة وتجـربـةِ «الـجـمـهـوريّـة الـعـربـيّـة الـمـتّـحـدة» (فـبـرايـر 1958- سـپـتـمـبـر 1961) ومـسـانـدةُ الـقـوى الانـفـصـاليّـة الـتي نـجـحـت فـي الانـقـضـاض عـلى الـوحـدة بـانـقـلابٍ عـسـكـريّ أطـاح بـهـا. ومـا عـتَّـم أن اسـتُـكْـمـل مـشـروعُـهـا لـوأْد الـتّـوحـيـد بـمـشـروعٍ رديـفٍ تَـغَـيَّـا تـفـكـيـك الـكـيـانـات العـربـيّـة والإسـلامـيّـة الـقـائـمـة بـتـفـجـيـر حـروب أهـلـيّـة فـيـهـا (لـبـنـان، الـسّـودان، إنـدونـيـسـيـا، العـراق، سـوريـة، أفـغـانـسـتـان...)، أو بـإيـصـال بـعـضـهـا إلـى تـجـزئـةٍ وتـقـسـيـم (الـسّـودان)؛
ضربُ بـرنـامـج الـنّـهـضـة الاقـتـصـاديّـة والـعـلـمـيّـة الـذي خـاضـتْـهُ مـصـر الـنّـاصـريّـة وقـطـعـت فـيـه شـوطـاً عـظـيـمـاً، عـلى نـحـو مـا حـصـل فـي حـرب يـونـيـو للـعـام 1967، وعـلى نـحـو مـا سـار فـيـه الـعـراق، فـي عـهـد الـرّئـيـس الـرّاحـل صـدّام حـسـيـن ودُمِّـر فـي حـرب «عـاصـفـة الـصّـحـراء» الأمـريـكـيّـة (يـنـايـر- فـبـرايـر 1991) ومـا تـلاهـا مـن مسـلـسـلات الـتّـفـتـيـش عـن «أسـلـحـة الـدّمـار الـشّـامـل». والـهـدف مـنـعُ أيّ كـيـانٍ عـربـيّ مـن حـيـازة مـوارد الـتّـقـدّم وكـسْـر تـوازُن الـقـوى مـع الـعـدو؛
مـشـاركـتُـها «إسـرائـيـل» فـي ضـرب الحـركـة الـوطـنـيّـة الـفـلـسـطـيـنـيّـة (= مـنـظّـمـة الـتّـحـريـر) وتـصـفـيـة قـضـيّـة فـلـسطـيـن وحـقـوق شـعـبـهـا الـوطـنـيّـة. هـكـذا رعـت حـرب الاقـتـلاع الـصّـهـيـونـيّ لـقـوّات مـنـظّـمـة الـتّـحـريـر مـن لـبـنـان، إبّـان غـزوه وحـصـارهـا بـيـروت (يـونـيـو- سـپـتـمـبـر 1982)، ورعـت مـؤتـمـر مـدريـد لـتـصـفـيـة الـقـضـيّـة وفـكـرة الـدّولـة (1991)، مـثـلـمـا رعـت «اتّـفـاق أوسـلـو» سـيّء الـذّكـر (سـپـتـمـبـر 1993) لـتـكـرّسـه غـطـاءً لاحـتـلالٍ واسـتـيـطـانٍ دائـمـيـن بـاسـم «الـحـكـم الـذّاتـيّ الانـتـقـالـيّ»!؛
غـزوُهـا الـعـراقَ وأفـغـانـسـتـان وإسـقـاطُـهـا الـدّولـةَ فـيـهـمـا وتـنـصـيـبُـهـا - فـي ظـلّ الاحـتـلال وبـعـده - نـخـبـاً مـوالـيـةً لـهـا، فـضـلاً عـن مـحـاولـتـهـا إعـادةَ إنـتـاج نـظـامٍ سـيـاسـيّ فـي كـلـيـهـمـا يـقـوم عـلى احْـتـصـاصٍ (مـحـاصـصـة) طـائـفـيّ، ومـذهـبـيّ، وأقـوامـيّ، وعـشـائـريّ...، بـمـا يـجـعـل «وحـدة» الـمـجـتـمـع والـدّولـة هـشّـة، دائـمـاً، وقـابـلـة للانـفـجـار وتـولـيـد صـراعـاتٍ وحـروب أهـلـيّـة لا تـنـتـهـي؛
رعـايـتُـهـا مـشـروع «الـفـوضـى الـخـلاّقـة» فـي البـلاد الـعـربـيّـة تـحـت اسـم «الـرّبـيـع الـعـربـيّ»، بـعـنـاويـنَ زائـفـة مـن قـبـيـل الـحـرّيّـة وتـحـقـيـق الـدّيـمـقـراطـيّـة. أمّـا الـهـدف فـكـان تـفـجـيـر تـنـاقـضـات الـبـنـى الاجـتـمـاعـيّـة الـعـربـيّـة والـوصـول بـهـا إلـى حـالـة الـحـروب الأهـلـيّـة، نـظيـر مـا حـصـل فـي لـيـبـيـا وسـوريـة والـيـمـن، وإحـداث الـمـزيـد مـن الـتّـفـتـيـت والـتّـفـكـيـك وتـمـكـيـن نـخـب تـابـعـة لـهـا مـن الاسـتـيـلاء عـلى السّـلـطـة. ولـقـد تـوسّـلـت لـهـذا الـغـرض أدوات مـحـلّـيّـةً وعـالـمـيّـة تـمـثّـلـت أسـاسـاً فـي الجـمـاعـات «الـجهـاديّـة» الـمـسـلّـحـة الـتي قـدّمـت لـهـا كـلّ وسـائـل الـدّعـم الـعـسـكـريّ والـمـالـيّ واللّـوجـيـسـتـيّ... إلخ. وقـد جَـرّبـت نـظـيـرَ هـذه الـسّـيـاسـة فـي إيـران مـن طـريـق الـتّـحـريـض الـشّـعـبـيّ عـلى حـركـات احـتـجـاجٍ ضـدّ الـنّـظـام، عـلى نـحـو مـا حـصـل فـي احـتـجـاجـات الأعـوام 2009، 2017، 2019، 2022، 2026؛
مـمـارسـتُـهـا الحـربَ الاقـتـصـاديّـة عـلى الـعـرب والـمـسـلـمـيـن مـن طـريـق فـرض الـعـقـوبـات الـقـاتـلـة، والـحـصـار والـتّـجـويـع وغـيـرهـا مـمّـا يـنـتـمـي إلـى نـظـام الـعـقـاب الجـمـاعـيّ الـذي تـجـرّمـه الـقـوانـيـن الـدّولـيّـة. شـهـدنـا ذلـك فـي الـعـراق، ابـتـداءً، ثـمّ سـرعـان مـا وقـع تـعـميـمُـه فـي لـيـبـيـا الـقـذّافـيّ، وإيـران، وقـطـاع غـزّة، وسـوريـة... لـهـدفٍ مـعـلـوم هـو إخـضـاعُ الإرادة الوطـنـيّـة؛
اعـتـرافُـهـا - فـي ولايـة تـرامـپ الأولـى- بـسـيـادة «إسـرائـيـل» عـلى الـقـدس الـمـحـتـلّـة، ونـقـل سـفـارتـهـا إلـيـهـا، وبـسـيـادتـهـا عـلى الجـولان الـسّـوريّ الـمـحـتـلّ فـي انـتـهـاكٍ مـنـهـا فـاضـحٍ للـقـانـون الـدّولـيّ الـذي يُـقِـرّ بـأنّ هـذه أراضٍ مـحـتـلّـة بـالـقـوّة فـي حـرب 67؛
ثـمّ رعـايـتُـهـا - خـلال إدارتـيْ بـايـدن وتـرامـپ - الـحـربَ الـصّـهـيـونـيّـة عـلى غـزّة ولـبـنـانَ وإيـران وأفـعـال الإبـادة الـجـمـاعـيّـة الـتـي اقـتـرفـتـهـا فـي الـقـطـاع، وغَـطَّـتـهـا أمـريـكـا سـيـاسـيّـاً وفـي مـجـلـس الأمـن عـلى الـرّغـم مـن اسـتـنـكـار الـضّـمـيـر الـعـالـمـيّ واحـتـجـاجـه!
يـطـول الـحـديـث فـي ضـروب الـسّـيـاسـة الـتّـمـيـيـزيّـة الأمـريـكـيّـة ضـد الـعـرب والمـسـلـمـيـن، مـن دون سـائـر شـعـوب الأرض، ووجـوهِ تـجـلّـيـهـا الـمـادّيّ. ومـع أنّ الـمـومـأ إلـيـه أعـلاه لـيـس كـلَّ الارتـكـابـات الأمـريـكـيّـة المـقـتَـرَفـة، بـل بـعـضٌ مـنـهـا مـنـتَـخـبٌ، إلاّ أنّـه يـكـفـي لـيـمـيـط الـنّـقـاب عـن هـوْل شـعـور الـخـيـبـة الـذي يـنـتـاب مـلـيـاراً ونـصـفَ الـمـلـيـار إنـسـان مـن دولـةٍ لا تـكُـفّ عـن الإفـصـاح عـن احـتـقـارهـا لـكـلّ مـا لـه صـلـةٌ بـالـعـروبـة والإسـلام، وعـن مـمـارسـةِ شـعـور الاحـتـقـار ذاك وتـرجـمـتـه حـروبـاً وعـدوانـات!