لم تعد أزمة موظفي السلطة الفلسطينية في قطاع غزة مجرد قضية أرقام ونسب مئوية تُقتطع من الراتب الشهري، بل تحولت إلى أزمة وجودية تمس كرامة الإنسان وقدرته على البقاء. ففي ظل حرب الإبادة والنزوح المستمر، يجد الموظف نفسه محاصرًا بين سندان "نصف راتب" لا يصمد لأيام معدودات، ومطرقة التزامات خيالية تبدأ بإيجارات باهظة للأراضي أو الشقق وتكاليف الخيام المتهالكة، ولا تنتهي بمتطلبات التعليم الجامعي والارتفاع الجنوني لأسعار السلع الأساسية.
يسلط هذا المقال الضوء على هذه الفئة المنسية التي تُرِكت تواجه مصيرها تحت وطأة تمييز مجتمعي ومؤسساتي مركب. ومن واقع لقاءات مباشرة جمعتني ببعض هؤلاء الموظفين الذين طالبوا بإعلاء صوتهم، نحاول تقديم قراءة تفكيكية لأبعاد هذه المأساة من منظور سوسيولوجي، ونفسي، واقتصادي، وثقافي.
وفي هذا الإطار، لا بد من التأكيد على أن إبراز مأساة موظفي قطاع غزة والمطالبة بإنصافهم لا ينفصلان بأي حال من الأحوال عن المعاناة الشاملة والمروعة التي يعيشها كل فرد فلسطيني وخاصة في القطاع دون استثناء؛ فالجميع هنا يدفع أثمانًا باهظة في أرواحهم، وأرزاقهم، ومستقبلهم تحت وطأة هذه الحرب الطاحنة. إن تسليط الضوء على هذه الشريحة يندرج في سياق تشريح "الخصوصية المركبة" لأزمتهم، ومراعاة واقعهم كجزء حيوي ومتضرر من نسيج مجتمعي منهار، وليس تقليصًا من حجم الكارثة التي تطحن بقية فئات المجتمع، بل هو دعوة لترميم حلقة أساسية من حلقات الصمود الجماعي؛ فالوجع واحد، والمصير مشترك، وإنصاف فئة هو إسناد للكل.
أولاً: البُعد الاقتصادي (معادلة العجز المستحيل)
إن المتابع للمصاريف وتكاليف المعيشة في قطاع غزة يلاحظ ببساطة الأرقام الصادمة التي تلخص الفجوة الهائلة بين الدخل والمصروفات، بعدما فقد الإنسان الغزي كل ما يملك في أتون هذه الحرب المستمرة؛ حيث يتقاضى الموظف راتبًا غير منتظم بنسبة 50%، محملًا بإرث ثقيل من الخصومات وتراكم الحقوق والمستحقات المجمّدة منذ عام 2017. يأتي ذلك في ظل الالتزامات الإجبارية التي فرضها النزوح والتشريد، ومنها إيجار السكن أو الأرض بمتوسط 2000 شيكل (إن وُجد)، يضاف إليه عبء الرسوم الجامعية (بنسبة لا تقل عن 30% كحد أدنى لفتح منصة "المودل" الإلكترونية أمام الطلاب) لضمان عدم ضياع مستقبل الأبناء. ويتزامن ذلك كله مع التضخم والأسعار الجنونية، حيث ارتفعت أسعار الخضار والسلع الأساسية إلى عشرة أضعاف قيمتها الطبيعية. وخلاصة المشهد أن الراتب الفعلي لا يكاد يغطي متطلبات الحياة لأكثر من 5 إلى 7 أيام، مما يعني دخول الموظف في حالة عجز مالي دائم واستدانة مستمرة، ليتحول "الراتب" من أداة أمان واستقرار إلى مجرد أداة لإدارة الفقر.
ثانياً: البُعد السوسيولوجي (الشرخ الاجتماعي والطبقية المعكوسة)
من منظور علم الاجتماع، يُلاحظ تحول خطير في البنية المجتمعية لقطاع غزة، حيث برز تمييز صارخ في تقديم المساعدات، ويمكن وصفه بـ "المعاقبة على الوظيفة"؛ فقد تولدت نظرة مجتمعية ومؤسساتية (عند توزيع المساعدات والإغاثة) تستثني "الموظف الحكومي" لمجرد أنه "يتقاضى راتبًا"، متجاهلين تمامًا أن هذا الراتب قد فقد قيمته الشرائية والفعلية. في المقابل، تظهر الطبقية المعكوسة والمساعدات الخاصة (VIP)، وتشهد هذه الحالة غيابًا تامًا للعدالة التوزيعية؛ حيث يحظى بعض موظفي رواتب غزة بمساعدات منتظمة، كما يتمتع موظفو المؤسسات الدولية والأهلية (الذين يتقاضى بعضهم رواتب عالية ومنتظمة بالدولار أو الشيكل) بفرص وصول أكبر للمساعدات والامتيازات الخاصة، بينما يُحرم موظف (رام الله) النازح في المخيمات أو مراكز الإيواء بناءً على تصنيف وهمي بأنه "مكتفٍ ذاتيًا". إن هذا التمييز المركب يساهم في تعميق الشرخ الاجتماعي وتفتيت النسيج المجتمعي، ويزيد من شعور الاغتراب الطبقي لدى فئة كانت تمثل تاريخيًا صمام أمان المجتمع.
ثالثاً: البُعد السيكولوجي (صدمة فقدان الأمان ومس الكرامة)
عاش الموظف الحكومي لسنوات طويلة معتمدًا على "الأمان الوظيفي" كركيزة أساسية لاستقراره النفسي والاجتماعي. واليوم، يواجه هذا الاستقرار زلزالًا عنيفًا يمس كرامته في الصميم؛ كالشعور بالقهر والعجز المكتسب، إذ إن اضطرار الموظف (الذي كان معيلًا ومنتجًا وعزيز نفس) للوقوف في طوابير المساعدات، أو عجزه عن توفير حبة خضار لأطفاله، يولد غصة ونفسًا مكسورة. يُضاف إلى ذلك صدمة الهبوط الطبقي، فالانتقال المفاجئ من حياة الاستقرار والرفاه النسبي إلى العيش في خيمة بدائية وتحت رحمة الظروف الجوية يسبب صدمات نفسية متتالية (تروما النزوح والفقر الشديد). كما أن الضغط المتواصل للموازنة بين التعليم وقوت اليوم يخلق حالة من التوتر الدائم، تنعكس سلبًا على الصحة النفسية للموظف وعلى علاقاته الأسرية، وهو ما يستدعي تدخلات عاجلة في هذا السياق لإسنادهم نفسيًّا واجتماعيًّا.
رابعاً: الثقافة المجتمعية (من التكافل إلى الوصم والحسد المعيشي)
لقد نالت الأزمة من المنظومة القيمية والثقافية السائدة في قطاع غزة، فقد تحولت الثقافة في بعض جوانبها من "التكافل والتضامن" إلى ثقافة "التصنيف والوصم". ووقع الموظف ضحية صمت مجتمعي باعتبار أن "أموره مرتبة"، وهو وهم دحظته الوقائع. والأدهى من ذلك ما يواجهه الموظف في مخيمات النزوح من بعض المندوبين والقائمين على التوزيع، الذين يمارسون ضده نوعًا من "الحسد المعيشي" ويمنعون المساعدات عنه بذريعة أنه يمتلك راتبًا، في حين أنه لو قِيس بغيره لوُجد أنه الأفقر والأشد حاجة؛ لاعتماده المطلق على دخل مجتزأ لا يكفي لشيء.
وللخروج من حالة الوصف والتشخيص إلى مربع الفعل والإنقاذ، يجب العمل فورًا على الأجندة التالية:
1. توحيد مظلة المساعدات (النظام الموحد): تجريم التوزيعات العشوائية مع ضرورة إلغاء كافة التصنيفات الوظيفية عند توزيع الإغاثات. ويجب أن تعتمد المؤسسات الدولية والمحلية على "مسح ميداني حقيقي لخط الفقر والاحتياج الفعلي للنازحين"، سواء أكانوا يقيمون لدى الأقارب، أم بالإيجار، أم داخل الخيام ومراكز الإيواء، بعيدًا عن خانة "طبيعة العمل" أو جهة الراتب.
2. إعادة النظر في ملف حقوق الموظفين: حفظ الحقوق كاملة منذ أول خصم، مع وضع عداد يوضح الحقوق والمستحقات المتراكمة منذ عام 2017، وجدولتها بما يتناسب مع حجم الكارثة الحالية.
3. توفير الحماية التعليمية بالتجريد من المستحقات: إلزام الجامعات بفتح المنصات التعليمية (المودل) لأبناء الموظفين في غزة دون شروط تعجيزية، واعتبار أزمة الرواتب قوة قاهرة تستوجب التأجيل أو الإعفاء، أو على الأقل إقرار آلية رسمية لخصم قيمة الرسوم الجامعية من مستحقات الموظف المجمّدة.
4. دعم المستأجرين وتخفيف الرسوم السيادية: إنشاء صندوق إغاثي طارئ لدعم الموظفين النازحين الذين يدفعون إيجارات مرتفعة لحمايتهم من الطرد، بالإضافة إلى خصم الرسوم والمعاملات الرسمية (مثل فواتير الاتصالات والجوال، والمعاملات الإدارية في المؤسسات الرسمية) من مستحقاتهم المتراكمة.
أخيراً:
إن الموظف الحكومي ليس مجرد رقم في كشوفات الرواتب، بل هو إنسان، وأب، ومواطن دفع ضريبة الانقسام والحروب المتتالية من قوته وقوت عياله. إن استمرار تجاهل مأساة هذه الفئة لا يهدد استقرارهم الأسري فحسب، بل يهدد بتدمير ما تبقى من هيبة وإمكانية لترميم المجتمع بعد الحرب.
لا يعقل بعد مرور كل هذا الوقت من الحرب والتشريد أن يُترك الإنسان ليعاني في كرامته ويواجه تمييزًا فئويًا صارخًا والجميع يلتزم الصمت. اتقوا الله في حقوق الناس، وأوقفوا كل مظاهر التمييز.. فليس من العدل في شيء أن يعيش موظف في رغد ويقتات الآخر على الفتات!
قراءة في مأساة موظفي غزة (رام الله) في ظل النزوح والحرب
تاريخ النشر : 2026-06-29 18:03
