بارنيا عبَّاسي*..صوت شعري ايراني واعد..اغتاله القصف المتوحش..
تاريخ النشر : 2026-06-27 12:12

(قصيدة لم تُكملْ..وظلّ امرأة تقتلع الليل)

“أنظر إلى كل شيء في حياتي بطريقة تسمح لي بالكتابة عنه”.. 

هكذا قالت الشاعرة الإيرانية الشابة بارنيا عبَّاسي في آخر مقابلةٍ صحفية لها، لكنها لم تكن تعرف وهي تفتح شرفتها في لحظةٍ صادفت إحدى الغارات الجوية العدوانية التي تشنها إسرائيل على طهران دون رادع ديني أو أخلاقي،أنها كانت تكتب قصيدتها الأخيرة.

رحلت “عبَّاسي”،وجميع أفراد عائلتها: والداها وشقيقها خلال الغارات الجوية الإسرائيلية المتوحشة..وظل صوتها يعانق الغيوم في الأقاصي..

…تقول في إحدى قصائدها:

“كل ليلةٍ أودع قلبي في خزينة البنك

أرقمه بشفرةٍ لا تكتشفها أجهزة الإنذار

لأصغي إلى معدلات الفائدة

فأسمع نبضًا يزداد بطئًا.

كلَّما ازداد النهار صلابةً

أعود إلى البيت بحقيبة فارغة

وفي جيبي قطعة نقد واحدة-

وجهها يحمل صورة قمري

وظهرها يرسم نافذة تضيء لثانيةٍ

ثم تنطفئ

تاركة على الحائط ظلَّ امرأة

تحاول اقتلاع الليل بأظافرها”.

وأودت الغارة الجوية البربرية-كما أشرنا-بحياة “عبَّاسي” ووالديها وشقيقها الأصغر،الطالب في المرحلة الثانوية،ودُمر منزل العائلة في مجمع أورشيده بشارع ستارخان،ولم يبقَ من بين السُكَّان سوى عدد قليل من الناجين.

وفي حديثٍ لصحيفة “طهران تايمز” قالت مريم،الصديقة المقربة لعبَّاسي،إن الشابتين كانتا قد خططتا للقاء صباح يوم الهجوم،لكن عندما وصلت مريم إلى موقع الحادث بعد القصف شاهدت عُمال الإنقاذ ينتشلون جثتي “عبَّاسي” وشقيقها من تحت الأنقاض،وهي لحظة وصفتها بأنها مدمرة تماما.

وأعرب أصدقاء وزملاء بارنيا ومعلموها عن حزنهم العميق لرحيلها، واصفين إياها بأنها كانت “مُفعمَة بالحياة والشِعر”.

وانتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي والمنظمات الثقافية في جميع أنحاء إيران بيانات تدين الهجوم وتنعى فقدان الفنانة الشابة،التي انقطعت مسيرتها الإبداعية الواعدة بسبب الحرب المتوحشة التي يشنها حفاة الضمير..

أصبحت مأساة برنيا عبَّاسي وشقيقها الشاب رمزا قويا لمعاناة المدنيين الناجمة عن هذه الهجمات الإسرائيلية المتوحشة..

في شعرها،كثيرا ما تناولت بارنيا مواضيع كالضوء والظلِّ والشوق الوجودي،من نصوصها التي تبدو الآن وكأنها كانت نبوءة:

"ننتهي أنا وأنت في مكانٍ ما

سأحترق،

سأصير نجمًا منطفئًا

دخانًا في سمائك

القصيدة تمشي الآن وحدها بين الركام،

تخمش بأظافرها الزجاج

وتفتح نافذة صغيرة لنهار لا يحتاج إلى تصريح”.

وهكذا،لم تكن بارنيا عبَّاسي مجرد شاعرة اغتيلت، بل كانت قصيدة حية كتبتها الحرب بنقيضِها: فالقصف الذي محا جسدها،عجز عن محو ما زرعته في روحِ اللغة من ضوء.

 ظلّها ما زال يحاول اقتلاعَ الليل،ونافذتُها التي أطفأتها الصواريخ تُضاء الآن في كلّ عين تقرأ سطرا لها.لأنَّ القصيدةَ الحقيقية لا تموت بموتِ شاعرتِها،بل تتحرَّرُ من قيد الصوتِ،وتصير نداء لا يحتاج إلى تصريح،وظلَّ امرأة لا ترضى أن ينتهي النهار دون فجر.

لكن بارنيا لم تَرحلْ حقا.فهي التي كتبت عن ظلّ امرأة تقتلع الليل بأظافرها،صارت هي ذاتها ذلك الظلَّ الذي لا يُدمِّره القصف،ولا يُطفئُه الركام. 

كلُّ قصيدة كانت ستكتبُها،صارت الآن نجمة في سماء من قرأها،وكلّ نافذة كانت ستفتحُها،صارت جرحا مضيئا في وجدان من عرفها.

 لم تغتلها الصواريخ،بل حرَّرتها من جسد ليتحقّق حضورها الأبديّ في الكلمة التي لا تسقط،وفي الضوء الذي لا يستأذن أحدا. 

ستبقى بارنيا عبّاسي شاهدا لا يمحى على أنَّ الحرب قد تقتل الأجساد،لكنها تمنح الكلمات جناحي خلود.لقد سقط جسدها تحت القصف،لكن قصيدتها لم تسقط،بل ارتفعت مع الغبار الذي لفَّ المدينة،وصارت همسا في كل زاوية يقرأ فيها أحدهم سطرا من نورها.لقد تحوَّلت أناملها التي كانت تقتلع الليل إلى جذور تغرس في تربة الروح الإنسانية بذور أمل لا تموت.وكلما أطفأت الصواريخ نافذة،فتحت كلماتها نافذة أخرى في قلوب الأحرار.

بارنيا لم تغادر،لأنَّ من يكتب الضوء لا يخفت، ومن يزرع القمر في قلوب العابرين يبقى مضاء إلى الأبد.

 هكذا يموت الشعراء..ليُولد الشعر مرتين،وتُشرق من رمادهم حقائق لا تنطفئ.

وداعا..برنيا عباسي..ولروحك السلام..

 

محمد المحسن 

 

هوامش

*نجمة أطفأتها يد الوحش”،بهذه الكلمات التي تنبأت بمصيرها،رحلت الشاعرة الإيرانية الشابة بارنيا عباسي (مواليد 2002)،إثر قصف إسرائيلي متوحش استهدف حي “ستارخان” وسط العاصمة طهران.الهجوم،الذي وُصف بـ”الهمجي”،أدى إلى مقتل عباسي مع أفراد من عائلتها،في واحد من أكثر المشاهد إيلاما في التصعيد المتواصل بين إسرائيل وإيران.

بارنيا،التي لم تبلغ بعد عامها الثالث والعشرين،كانت صوتا شعريا يافعا يتلمّس طريقه وسط ظلال الحرب..

ورغم أنها لم تنشر الكثير من أعمالها،فإن ما وصل من صوتها بات الآن شهادة على جيل إيراني شاب،يعيش بين القصيدة والرصاص،ويكتب حياته على شفير الحريق..

رحلت بارنيا عباسي باكرا،لكنها تركت كلمات ستظل خالدة.قصائدها،التي عكست حياة مليئة بالتحدي والمقاومة،أصبحت اليوم صرخة ضد الحرب،وتذكيرا بأن الإنسانية هي الضحية الحقيقية في زمن الصراعات.

يشار إلى أن عباسي قتلت  وعائلتها في 13 جوان 2025،جراء غارة إسرائيلية هزّت قلب العاصمة طهران.