تأملات في مرايا الموت عند الشاعرة التونسية سعيدة الفرشيشي.قصيدتها "أيها الموت خذني..ولا تسَل عني" نموذجا
-الموت لا يوجع الموتى..لكنه يدمي الحضور بذاكرة الفقد..
تصدير : كنت أخشى رسائل الوداع..فصار الوداع بلا رسائل-محمود درويش-
-دعنا نتبادل الأدوار..أنت تنتظر..وأنا لا أعود..! م-درويش
تاخذني حيرتي
فٱغرق في ذكرياتي
ٱضيع بين مرارة الفراق
وكثرة ٱحزاني
فيا موت
فيا موت خذني..خذني
فما ٱشفاني
بعد ٱن دمرتني
وبعثرت ٱوراقي
وٱخذت مني ٱبي
دون تقبيل
ولا عناق
فهزني إليه
فالحياة لم تعد لي
حلوة المذاق
سعيد ة طاهر الفرشيشي
حين يملك الموت قدرة الكلام،لا يخاطبنا بلغة النهايات،بل يعيد تشكيل الحياة في مرآة مقلوبة. والقصيدة عند الشاعرة التونسية الفذة أ-سعيدة الفرشيشي ليست رثاء ذاتيا ولا تأملا فلسفيا جافا، إنها ولادة ثانية في حضرة الغياب،حيث يتكسر اليقين وتتفتق الأسئلة عن جروح ترفض الالتئام.
في قصيدتها الصاخبة بالرحيل،لا تختار الشاعرة الموت هروبا،بل مواجهة مكشوفة مع آلهة الفقد، وكأنها تمتحن في إيمانها بالحياة ذاتها.فحديثها عن الموت ليس انتحارا رمزيا،بل صرخة مولود جديد يعي أن أمه الأرض لن تحتضنه إلا إذا تجرأ على خلع جلده الأول.
ما يميز قصيدة "أيها الموت خذني..ولا تسَل عني"
هو وقوعها خارج سياق التأمل الفلسفي البارد،إنها لحظة انفجار وجداني نابع من رحم زمن تآكلت فيه المعاني،وتشظت القيم تحت وقع الفقد المتواصل.فالشاعرة لا تطلب الموت رغبة في العدم،بل عطشا إلى استعادة الحضور المغتصب:
"فيا موت.. خذني"
"فما أشفاني"
إن التكرار هنا ليس تعبيرا عن يأس ساذج،بل إلحاح طفل يبحث عن حجر دفء في ليل عاصف. فالموت في قراءتها ليس سوى امتداد للعلاقة المقطوعة مع الأب،وهو جسر يعبر به الغائب إلى صدر الحاضرة التي أنهكها البعد.
لعل المفارقة الأعمق تكمن في أن الشاعرة تستدعي الموت لتحيي الحياة التي سلبت منها، وكأنها تضرب على وتر الانفصال لتصغي إلى نغم الوصال المسروق.!
تتجلى ثنائية "الأنا" و"الآخر" في القصيدة بشكل دراماتيكي،حيث يصبح الموت كائنا مخاطبا له حضور صارم وحنون في آن معا.والخطاب هنا لا يحاكي غائبا،بل يناجي شريكا في الصراع الوجودي،وكأنهما يتبادلان الأدوار في لعبة الحضور والغياب.
والأب في معجم القصيدة ليس مجرد جسد رحل، بل عتبة انهارت منها بوابات الطفولة والأمان، فتحولت الحياة إلى صحراء قاحلة لا تطاق حرارتها إلا بالرحيل نحو ظل الذاكرة المقتول.
"وبعثرت أوراقي"
"وأخذت مني أبي دون تقبيل ولا عناق"
هنا يتكشف البعد الإنساني الأكثر إيلاما: لم يمت والدها فقط،بل ماتت معه طقوس الوداع،وضاع معه حق التعبير عن الحب في لحظته الأخيرة، فصار الموت ظلما مزدوجا: ظلم الفقد،وظلم الصمت الذي رافقه.
ورغم وطأة الحزن في النص،ثمة تمرد خفي على منطق الموت كفناء مطلق.فالشاعرة لم تختر الموت لينهي حياتها،بل اختارته كحاضنة تأويه في غياب الأب،وكفضاء آخر يعيد تشكيل العلاقة معه. وهذا يضع القصيدة في سياق الإيمان الخفي بالخلود العاطفي،حيث الموت ليس نهاية،بل مدخل إلى عالم تعاد فيه هندسة المشاعر المعلقة.
وهنا تبرز عبقرية الصورة الشعرية عندما تصف الشاعرة نفسها بأنها "تاهت بين مرارة الفراق وكثرة الأحزان"، فالتيه ليس ضياعا،بل طريق وعر نحو استيعاب الفقد وتحويله إلى لغة تصمد أمام صمت القبور.
ليس غريبا أن تتحول قصيدة الموت إلى نافذة تطل على الضوء المعتم في داخل الشاعرة.فكل نداء للموت هو في الحقيقة استنجاد بالحياة ذاتها من خلال استدعاء عكسها.إنها لعبة المرايا التي تجعل من الرحيل بوابة للكتابة،والكتابة بدورها تخليد للغائب وزرع لأشجار الحضور في تربة النسيان.
لقد نجحت الفرشيشي في أن تجعل من القصيدة ضريحا للحزن ومهدا للأمل في آن واحد،فهي تودع الحياة لتستعيدها في كل سطر،وتتعثر في درب اليأس كي تقوم على قدميها كامرأة تعي أن الخلود ليس في البقاء الجسدي،بل في أثر يظل يهدي العابرين إلى معنى الضياع الجميل.
ارتبط النظر إلى قضية الحياة والموت عند الشعراء المعاصرين بتجارب عاشوها،فتركت أثرها الدفين في دواخلهم،واتخذوها جسرا عبروا عن همهم الفردي والجمعي معا..
إن قصيدة سعيدة الفرشيشي ليست مجرد بكائية عابرة،بل ملحمة صغرى عن إنسانية الانكسار وجبروته،حيث الموت يصبح لغة مشتركة بين الأحياء الذين لم يعودوا يجدون في الحياة سوى امتداد لموت يومي بطيء،فيقررون استعجال النهاية كي تبدأ البدايات من جديد.
غير أن الجمال المخيف في هذه القصيدة يكمن في أنها،رغم ندائها الحار للموت،تبقى شاهدا على الحياة بقوة لغتها وجرأة جرحها،وكأن الشاعرة تهمس لنا: "أنا أكتب كي لا أموت،لكنني أدعو الموت كي أكتب..."
إنها مفارقة المبدع الحقيقي: يتوسل الغياب ليؤكد حضوره،ويلوذ بالصمت ليعلن عن صوته الأكثر صدقا.
وفي النهاية،لا يبقى سوى هذا السؤال المفتوح على جرح الوجود:
"هل كان الموت هروبا من الحياة،أم كانت الحياة هروبا من موت أبطأ؟"
في انحيازي المتواضع لهذا النص الموجع،أرى فيه صرخة امرأة قررت ألا ترحل قبل أن تكتب رحيلها بأحرف من دم وضوء،لتظل القصيدة وريثة الأب وحارسة الذاكرة،وشاهدة على أن الحب لا يموت، بل يتحول إلى لغة تنير دروب الفاقدين في زمن تاه فيه البشر بين دفء الحضور وبرودة الغياب.
وهكذا،حين تغادر الكلمات جسد القصيدة إلى روح القارئ،تظل سعيدة الفرشيشي واقفة على عتبة الموت لا كمنتظر له،بل كمن تلاعب بحدوده لتصنع منه فضاء للحياة الأكثر اتساعا.ففي كلِّ "خذني" صرخة "أنا هنا"،وفي كلِّ نداء للغياب إعلان عن حضور لا تمحوه السنون.وقصيدتها ليست رثاء لآب راحل،بل ولادة لأب جديد في لغة لا تعرف الموت،وجسرٌ يصل ما انقطع،ونافذة يُطلّ منها الأبد على لحظة عابرة،ليقول للفقدان: مهما طال رحيلك،ستبقى الكلمات أدف من حضن ضاع، وأبقى من جسد انطفأ.
وفي النهاية،تبقى هذه القصيدة شهادة حيّة على أن الإنسان حين يكتب موته،إنما يكتب خلودَه، وحين يناجي العدم،إنما يستدرج المعنى ليولد من رحم السؤالِ الأبدي: هل نموت لأننا أحببنا،أم نحب لأننا سنموت؟!
ويظل السؤال حافيا،عاريا ينخر شفيف الروح..
رحم الله كل من رحل،وألهم كل من بقي أن يحول الفقد إلى ضوء،والألم إلى قصيدة،والموت إلى نافذة تطل على أبدية الحب الذي لا يموت.
