باحث أمريكي: المشروع الوطني الفلسطيني أُفرغ من مضمونه و"الأبرتهايد" تحول إلى واقع قائم
تاريخ النشر : 2026-06-22 23:00

واشنطن: يرى الباحث الأميركي ناثان ج. براون، الباحث الأول غير المقيم في برنامج الشرق الأوسط بمؤسسة كارنيغي وأستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، أن النقاشات السياسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية ما زالت أسيرة مفاهيم وأطر فقدت قدرتها على تفسير الواقع، رغم استمرار استخدامها في الخطاب الدبلوماسي والسياسي.

وفي مقال بعنوان “ما وراء الجدار: المشروع الوطني الفلسطيني أُفرغ من مضمونه، والأبرتهايد واقع لا تهديد مستقبلي”، نشره في مدونة “ديوان” التابعة لمركز كارنيغي للسلام الدولي، يجادل براون بأن التحليلات الأكثر دقة غالباً ما تكون الأقل قبولاً عند صدورها، قبل أن تتحول لاحقاً إلى حقائق يصعب إنكارها.

ويشير الكاتب إلى أن عدداً من المفاهيم التي حكمت النقاش الفلسطيني الإسرائيلي خلال العقود الماضية، وعلى رأسها عملية السلام وحل الدولتين، استمرت في توجيه السياسات العامة حتى بعد أن تغيرت الوقائع التي قامت عليها. وبحسب براون، فإن هذا النمط تكرر مراراً، حيث جرى التعامل مع المؤشرات السلبية باعتبارها مشكلات يمكن احتواؤها داخل الإطار القائم، بدلاً من اعتبارها دليلاً على انهيار ذلك الإطار نفسه.

ويطرح براون فكرتين مركزيتين يرى أنهما غائبتان عن معظم النقاشات السياسية الحالية. الأولى أن المشروع الوطني الفلسطيني لم يعد يواجه مجرد أزمة قيادة أو مؤسسات، بل تعرض لتفريغ تدريجي من مضمونه السياسي. ويستند في ذلك إلى أطروحات الباحث يزيد صايغ حول ما يسميه “الموت الثالث للسياسة الفلسطينية”، معتبراً أن المشكلة تتجاوز ضعف المؤسسات إلى تآكل المشروع السياسي الذي أُنشئت هذه المؤسسات لخدمته.

أما الفكرة الثانية فتتمثل في أن ما يصفه بالأبرتهايد لم يعد احتمالاً مستقبلياً أو خطراً يلوح في الأفق، بل أصبح واقعاً قائماً بالفعل. ويقول إن أنماط السيطرة الإسرائيلية على الأرض والقانون والحركة والأمن أدت إلى تكريس واقع سياسي واحد يمنح حقوقاً متفاوتة للسكان الواقعين تحت السلطة الإسرائيلية.

وينتقد براون استمرار التركيز على أسماء شخصيات سياسية أو مشاريع إصلاحية باعتبارها حلولاً للأزمة الفلسطينية، معتبراً أن مثل هذه المقاربات تتجاهل التحولات البنيوية الأعمق التي أصابت المشروع الوطني الفلسطيني خلال العقود الماضية.

كما يتوقف الكاتب عند ما يعتبره آلية متكررة في التفكير السياسي، حيث يتحول الاعتراف بالمشكلات إلى مبرر للاستمرار في السياسات نفسها. ويضرب أمثلة بذلك من مسار أوسلو، وتعثر عملية السلام، والنقاشات المتعلقة بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المطروحة للتسوية الفلسطينية الإسرائيلية.

ويخلص براون إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في كيفية إدارة الواقع القائم، بل في القدرة على رؤية ما وراء “الجدار” السياسي والفكري الذي ما زال يهيمن على النقاشات الرسمية. ويرى أن اللحظة الأكثر أهمية للتحليل النقدي هي تلك التي تسبق انهيار الأطر السياسية السائدة، عندما تبدو المؤسسات والخطابات القائمة مستقرة ظاهرياً، بينما تكون الوقائع على الأرض قد بدأت بالفعل في التغير.