شهر العسل أو زواج المتعة بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وحكومة بنيامين نتنياهو قاب قوسين أو أدنى على الانتهاء، إن لم تكن شمسها غَربت وتوارت عن الأنظار، مع الموافقة المبدأية على التوقيع على اتفاق الاطار بين واشنطن وطهران في 13 من حزيران / يونيو 2026، الذي تم الكترونيا مساء الأربعاء 18 يونيو الحالي، حيث وقع الرئيس ترمب على الاتفاق في قصر فرساي الفرنسي بحضور قادة مجموعة السبع الكبار، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وقعه في العاصمة طهران، مما أثار ردود فعل إسرائيلية غاضبة ومجنونة وغير مسؤولة، وخاصة من وزراء حكومة الائتلاف بقيادة نتنياهو ضد الرئيس الأميركي شخصيا وادارته عموما، في تطاول غير مسبوق من قبل ايتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريش على السيد الأميركي، صاحب الفضل التاريخي، وليس الآني، في بقاء وديمومة إسرائيل كدولة طارئة ولقيطة في الوطن العربي، والتنكر لتاريخ طويل من الدعم اللامحدود للدولة العبرية، مما دفع الرئيس ال 47 ونائبه جي دي فانس لخلع القفازات البيضاء، والتخلي عن اللغة الدبلوماسية في الرد بقسوة على حكومة تل ابيب ووزرائها الأكثر رعونة وغباءً، دون أن يعني ذلك، تخلي الولايات المتحدة عن إسرائيل الأداة الوظيفية.
وفي اعقاب ذلك، رد نائب الرئيس الأميركي يوم الخميس 19 يونيو الحالي، خلال مقابلة مع برنامج "The Diary of a CEO" الذي يقدمه رائد الأعمال البريطاني ستيفن كليف بارتليت، قويا وعنيفا على وزراء الحكومة ورئيسها، بعد اعتراضهم العلني على مذكرة تفاهم اسلام اباد بين الإدارة الأميركية والقيادة الإيرانية، مما زاد من عمق التباعد بين القيادتين وخاصة بين الحليفين ترمب ونتنياهو، وضاعف من الصدمة في أوساط القيادة الإسرائيلية، ومن أبرز ما حمله رد فانس: أولا أكد وذكر القادة الإسرائيليين، بأن أسلحتنا هي التي حمتكم، وقال بأن ثلثي الأسلحة الدفاعية مصنوعة بأموال دافعي الضرائب الاميركيين، وشّدد على أن المصالح الأميركية لا تتطابق دائما مع الإسرائيلية؛ ثانيا القتل ليس حلا، في توبيخ مباشر للوزيرين ايتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريش. وتساءل فانس: "ما هو اقتراحكم؟ أنتم دولة يبلغ عدد سكانها 9 ملايين نسمة، ولا يمكنكم مواصلة عمليات القتل للخروج من كل مشكلة"؛ ثالثا مطالبة نتنياهو بضبط وزراء حكومته، وقال له "احكم قبضتك على وزرائك، لن تفلت من هذا الأمر بهدوء"، في تهديد واضح لا لبس فيه لرجل إسرائيل القوي، وفي رسالة واضحة وصارمة لرئيس الحكومة لضبط جماح وزرائه، وعدم تحدي الإدارة الأميركية وسياساتها في المنطقة؛ رابعا شكك نائب الرئيس في النوايا الدبلوماسية الإسرائيلية، حيث أعلن أنه لا يثق بأي دولة بما فيها إسرائيل، في ملفات العلاقات الدولية، متهما المسؤولين الإسرائيليين بخلط الأوراق، والخلط المتعمد بين نقد الحكومة الإسرائيلية ومعاداة السامية؛ خامسا التهديد المبطن بإلغاء وحظر صفقات الأسلحة المبرمة بين البلدين؛ سادسا دعا فانس نتنياهو وأركان حكومته عدم خسارة الدولة الوحيدة في العالم التي تقف الى جانب إسرائيل، لأنها إن رفعت يدها عن حماية إسرائيل، فإنها ستصبح دولة معزولة ومنبوذة في العالم كله.
ورغم الصدمة والصفعة الأميركية القاسية والحادة للحكومة الإسرائيلية، الا ان نتنياهو وأركان حكومته آثروا الصمت وعدم الرد أو التعامل بانفعال مع الموقف الأميركي، رغبة منهم بعدم توسيع الفجوة مع الرئيس ترمب، الذي هاجم نتنياهو في الآونة الأخيرة مرارا وتكرارا، وآخرها أمس السبت 20 يونيو الحالي، حيث نشر على منصته "تروث سوشيال"، موقفا بعدم دعم نتنياهو في الانتخابات المقبلة المفترضة في أيلول / سبتمبر القادم، وأشار لإمكانية دعم بدائل إسرائيلية مثل نفتالي بينت وغادي ايزنكوت، ودعا نتنياهو للتعامل بعقلانية مع إطار التفاهم الأميركي الفارسي، والالتزام بنصوصه وخاصة على الجبهة اللبنانية. وكان صرح في وقت سابق بأنه "يتطلع الى وقف إطلاق نار كامل على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان وحزب الله وإسرائيل."
وكان الوزير بن غفير عقب على فانس في تدوينة قائلا " هذا هو اقتراحي يا جيه دي فانس: تعامل مع النازيين في القرن الحادي والعشرين، تماما كما تعاملت الولايات المتحدة مع النازيين في القرن العشرين." ناسيا زعيم "القوة اليهودية" نفسه وسماته كإرهابي عنصري ونازي من نازي القرن الواحد والعشرين. وكان تحذير فانس صريحا لأعضاء الحكومة الإسرائيلية الذين هاجموا الاتفاق مع إيران مشددا على أن الرئيس ترمب هو "الحليف الوحيد" المتبقي لإسرائيل، وسيكون من غير الحكمة معارضته. وأضاف نائب الرئيس، ترمب هو رئيس الدولة الوحيدة في العالم الذي يبدي تعاطفا مع إسرائيل في هذه اللحظة، وهو أيضا رئيس دولة تمثل القوة العظمى في العالم." فإياكم والعبث ونسيان من تكونوا، ومن أنتم، لا تعميكم العزة بالإثم، أنتم مجرد أداة وظيفية لا أكثر ولا أقل.
وقبل أن أنهي زاويتي اليوم، كنت أفترض ان يتذكر نائب الرئيس الأميركي، مقولته التي وجهها لنتنياهو ووزراء حكومته، بأن القتل والابادة الجماعية على الشعب الفلسطيني ليست حلا، بل تعميقا لدورة العنف والإرهاب والفوضى في الإقليم، وليس في فلسطين، لكنه ورئيسه وادارتهم تناسوا كليا، أنهم من غطى إسرائيل وحكومتها المنفلتة من كل عقال قانوني وانساني، وفتحوا لهم مسارات الدم والابادة وفرض حرب التجويع والامراض، وحتى الان على الشعب العربي الفلسطيني. وياحبذا لو أنه يبقى متذكرا مقولته، ليلزم إسرائيل بوقف دوامة الحرب الإسرائيلية في فلسطين عموما وليس في غزة فقط، ويلزمها باستحقاقات خيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967، لأن القضية الفلسطينية كانت ومازالت أس البلاء في الإقليم كله، وهي بوابة السلام والتعايش.
فانس أزال القفازات البيضاء
تاريخ النشر : 2026-06-21 12:39
