من الحرب إلى السلام: أي شرق أوسط سيولد من تحت الأنقاض؟
تاريخ النشر : 2026-06-18 16:38

ليست كل الحروب سواء، فبعضها ينتهي بتغيير حكومات أو تعديل حدود، بينما تنتهي حروب أخرى بإعادة تشكيل أقاليم كاملة وافتتاح مراحل تاريخية جديدة. ومن هذا النوع تبدو الحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر 2023، وتمددت من غزة إلى لبنان والبحر الأحمر، ووصلت تداعياتها إلى إيران والخليج العربي، لتتحول من مواجهة عسكرية محدودة إلى صراع مفتوح على مستقبل الشرق الأوسط كله.

فالحرب الجارية لم تعد حرباً على غزة وحدها، ولا مواجهة بين إسرائيل وحماس فحسب، بل أصبحت اختباراً لمجمل التوازنات التي حكمت المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة. ولذلك فإن السؤال لم يعد: من سيربح الحرب؟ بل: أي سلام سينتج عنها؟ وأي شرق أوسط سيتشكل بعدها؟

لقد أثبتت الحرب سقوط جملة من المسلمات التي سادت خلال العقود الماضية. فسقط الاعتقاد بأن القضية الفلسطينية يمكن تجاوزها أو تهميشها، وسقط الاعتقاد بأن التفوق العسكري وحده قادر على صناعة الأمن والاستقرار، كما سقطت أوهام القدرة على فرض حلول نهائية بالقوة المجردة.

وفي المقابل، عادت القضية الفلسطينية إلى قلب المشهد الإقليمي والدولي، وعادت معها الأسئلة المؤجلة حول العدالة والاحتلال والحقوق الوطنية ومستقبل المنطقة بأسرها.

وعند النظر إلى مآلات الحرب يمكن الحديث عن ثلاثة احتمالات رئيسية.

الاحتمال الأول، أن يفرض ميزان القوة العسكرية ترتيبات سياسية وأمنية جديدة تمنح إسرائيل قدراً من التفوق والطمأنينة الاستراتيجية، دون معالجة جوهر القضية الفلسطينية. وفي هذه الحالة قد تتوقف الحرب، لكن الصراع سيبقى قائماً بأشكال أخرى، وسيكون السلام أقرب إلى هدنة طويلة منه إلى تسوية تاريخية مستقرة.

أما الاحتمال الثاني، فيتمثل في التوصل إلى تسوية إقليمية واسعة تشمل ترتيبات أمنية جديدة، وإعادة إعمار غزة، وإصلاح النظام السياسي الفلسطيني، وإطلاق مسار سياسي جدي نحو حل القضية الفلسطينية. وهذا الاحتمال وحده يملك فرصة إنتاج استقرار طويل الأمد، لأنه يعالج الأسباب لا النتائج فقط.

في حين يقوم الاحتمال الثالث على وقف العمليات العسكرية مع بقاء جذور الصراع دون حل، بما يعني الانتقال من الحرب المفتوحة إلى حالة اللاسلم واللاحرب، وهي الصيغة التي عرفتها المنطقة مراراً خلال العقود الماضية، وكانت سبباً في تجدد الانفجارات الدورية.

غير أن الحرب، أياً تكن نهايتها، أطلقت بالفعل عملية إعادة تشكيل للشرق الأوسط.

فالنظام الإقليمي الذي تشكل بعد اتفاقيات السلام العربية الإسرائيلية التقليدية لم يعد قائماً بالصورة ذاتها، كما أن النظام الدولي ذاته يشهد تحولات عميقة مع صعود قوى دولية وإقليمية جديدة، وتزايد أهمية الاقتصاد والطاقة والممرات التجارية والتكنولوجيا في رسم النفوذ وتحديد موازين القوة.

وفي قلب هذه التحولات تقف إسرائيل أمام مفارقة تاريخية لافتة. فقد تمتلك القدرة على تحقيق إنجازات عسكرية مهمة، لكنها تجد نفسها في الوقت ذاته أمام أزمة استراتيجية وأخلاقية وسياسية عميقة. فالأمن الذي شكل جوهر المشروع الصهيوني تعرض لهزة غير مسبوقة، والصورة الدولية لإسرائيل تعرضت لتحديات كبيرة، فيما أثبتت التجربة مرة أخرى أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع إنهاء الصراع مع الشعب الفلسطيني.

أما فلسطين، فقد دفعت أثماناً بشرية ومادية باهظة، لكنها عادت لتثبت أنها ليست قضية يمكن تجاوزها أو الالتفاف عليها. غير أن هذا الحضور المتجدد للقضية الفلسطينية يفرض في المقابل أسئلة فلسطينية داخلية لا تقل أهمية عن أسئلة الحرب نفسها، تتعلق بالوحدة الوطنية، وتجديد المؤسسات، وإعادة بناء المشروع الوطني على أسس الشراكة والتمثيل الحقيقي لجميع مكونات الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.

وهنا تكمن إحدى أهم مفارقات الحرب: فبينما أعادت فلسطين إلى واجهة العالم، فإنها أعادت أيضاً طرح السؤال الفلسطيني الداخلي حول القدرة على تحويل التضحيات الكبرى إلى إنجازات سياسية ووطنية مستدامة.

إن السلام الذي قد يخرج من رحم هذه الحرب لن يُقاس بعدد الاتفاقيات أو مذكرات التفاهم التي قد تُوقّع، بل بقدرته على معالجة جذور الصراع. فالسلام الذي يقوم على اختلال العدالة يبقى هشاً، والتسويات التي تتجاهل الحقوق الوطنية للشعوب قد تؤجل الصراع لكنها لا تنهيه.

ومن هنا فإن القضية الفلسطينية ستبقى المعيار الحقيقي لأي نظام إقليمي جديد وأي مشروع سلام مقبل. فإما أن تكون مدخلاً إلى تسوية تاريخية أكثر عدلاً واستقراراً، وإما أن تبقى جرحاً مفتوحاً يعيد إنتاج الأزمات والحروب جيلاً بعد جيل.

لقد بدأت هذه الحرب كمعركة على غزة، لكنها تحولت إلى معركة على مستقبل الشرق الأوسط كله. أما نتيجتها النهائية فلن تتحدد فقط في ميادين القتال، بل في طبيعة السلام الذي سيعقبها، وفي قدرة شعوب المنطقة ودولها على الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق معالجة أسبابه.

فالحروب تنتهي عادة بتوقيع اتفاق أو تفاهم، أما السلام الحقيقي فلا يولد إلا عندما يلتقي الأمن بالعدالة، وتلتقي القوة بالشرعية، وتلتقي المصالح بحقوق الشعوب. وعند تلك النقطة فقط يمكن الحديث عن شرق أوسط جديد، لا يقوم على توازن الخوف، بل على توازن الحقوق والمصالح والاستقرار.