معضلة بقاء نظام الملالي في ظل تحولات التهدئة الإقليمية..
تاريخ النشر : 2026-06-18 16:37

مفارقة السلام في إيران..

   تضع التطورات الجيوسياسية المتسارعة في عام 2026 والمتمثلة في مذكرة التفاهم الناشئة بين الولايات المتحدة وإيران؛ تضع نظام الملالي في إيران أمام اختبار وجودي غير مسبوق.. ففي حين تلوح في الأفق بوادر إنهاء الأعمال العدائية وفتح مسارات دبلوماسية بما في ذلك الترتيبات المتعلقة بالبرنامج النووي وأمن الملاحة في مضيق هرم يبرز تساؤل استراتيجي: هل يمثل السلام "طوق نجاة" للنظام أم أنه "السم" الذي قد يؤدي إلى تفكيك ركائزه الداخلية؟

إشكالية السلام كأداة ضغط داخلي

في المشهد السياسي الإيراني لطالما استندت شرعية البقاء للنظام على استراتيجية التوتر الدائم، وتؤكد القراءات التحليلية للمواقف الصادرة عن "المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية" وعلى لسان رئيسته السيدة مريم رجوي أن التوافقات الدولية الرامية لإنهاء الصراع تحمل في طياتها مفارقة حادة؛ فالسلام ووقف التصعيد يجرّدان النظام من "درع الحرب" الذي طالما استخدمه لتبرير القمع وتجييش المؤسسة الأمنية وصرف الأنظار عن الأزمات البنيوية التي تعصف بالمجتمع الإيراني.

إن التوصيف القائل بأن السلام قد يكون "سماً" لبقاء النظام لا ينطلق من معارضة مبدئية لإنهاء معاناة الشعب بل من تحليل لآلية اشتغال النظام الذي يتغذى على الأزمات الخارجية كأداة لضبط الداخل؛ ففي غياب "العدو الخارجي" أو "حالة الحرب" تتقلص مبررات القبضة الأمنية مما يترك النظام وجهاً لوجه أمام تطلعات الشعب الذي يعاني ضغوطاً اقتصادية واجتماعية خانقة.

الربط بين المسار الدبلوماسي وحقوق الإنسان

تأتي التحركات الدولية المرتقبة في سويسرا والمتمثلة في مذكرة التفاهم التي أعلن عنها الرئيس دونالد ترامب لترسم ملامح مرحلة جديدة من "الواقعية السياسية"، ومع ذلك تضع المقاومة الإيرانية شرطاً جوهرياً لأي عملية تفاوضية ألا وهو حقوق الإنسان.

إن توثيق وقوع أكثر من 2200 حالة إعدام خلال عام 2025 وهو العام الذي يوصف في التقارير الحقوقية بأنه الأكثر دموية في عهد علي خامنئي، وكذلك يفرض على المجتمع الدولي مراجعة مقارباته.. فالإصرار على ربط رفع العقوبات أو استئناف العلاقات بوقف الإعدامات السياسية وقمع التظاهرات يعكس تحولاً في استراتيجية "المقاومة الإيرانية" من مجرد الكشف عن المخاطر النووية التي قدمت بشأنها أكثر من 133 كشفاً استخباراتياً على مدى ثلاثة عقود إلى التركيز على الشرعية الأخلاقية والقانونية كأداة لإضعاف بنية النظام السياسية.

برنامج المواد العشر.. والانتقال إلى مرحلة ما بعد إسقاط النظام

تستعد العاصمة الفرنسية باريس لاحتضان تجمع دولي حاشد.. تجمعٌ لا يعكس فقط حيوية التواجد الإيراني في المهجر بل يمثل منصة لطرح بديل سياسي هيكلي.. وإن ما يطرحه "المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية" عبر "برنامج المواد العشر" يمثل محاولة للانتقال من حالة "المعارضة الاحتجاجية" إلى "المشروع البديل" الذي يقوم على مرتكزات: فصل الدين عن السلطة، والمساواة بين الجنسين، ونظام قضائي مستقل، وإيران غير نووية تتعايش سلمياً مع محيطها الإقليمي.

من منظور جيوسياسي تشير هذه التحركات إلى أن المقاومة تراهن على أن النظام في سعيه للحفاظ على مكتسباته النووية وأذرعه الإقليمية سيجد صعوبة في التكيف مع متطلبات السلام الدولي الذي يفرض شفافية أكبر.. فالتخلي عن "عقيدة التوسع" و"الردع النووي" يعني تخلي النظام عن الأدوات التي يبرر بها وجوده.

استشراف النتائج.. وصراع الاستمرارية

إن المرحلة المقبلة ستشهد سباقاً بين محاولات النظام لتمطيط أمد المفاوضات للحصول على مكاسب اقتصادية تخفف الضغط الشعبي، وبين الضغوط التي تمارسها القوى الدولية مدعومة بحراك المقاومة لفرض معايير حقوقية صارمة.

إن التحدي الحقيقي أمام النظام الإيراني ليس في نجاح أو فشل الاتفاقيات النووية فحسب بل في كيفية الإبقاء على تماسك هيكله السلطوي في بيئة إقليمية تزداد ميلاً نحو الاستقرار، وهو استقرار يتناقض بنيوياً مع طبيعة النظام القائم على التعبئة الأيديولوجية، وفي نهاية المطاف سيظل نجاح أي تسوية دولية مرتبطاً بقدرتها على ملامسة تطلعات الشعب الإيراني لا بمجرد صفقات مع النخب الحاكمة التي تتقن فن التكيف مع الأزمات دون التخلي عن ركائز حكمها الأساسية.