الرؤية الدولية لـ المشروع السياسي البديل لنظام الملالي الاستبدادي..
تاريخ النشر : 2026-06-18 16:36

استراتيجية التغيير في إيران

   تُواجه الجغرافيا السياسية في منطقة الشرق الأوسط تحدياً بنيوياً يتمثل في حالة التجاذب بين طموحات الشعوب في التغيير الديمقراطي وبين الجمود الاستبدادي.. وفي هذا السياق برز مؤخراً تطور لافت في الساحة الدولية حيث أصدرت 3000 شخصية بارزة من 55 دولة حول العالم بياناً مشتركاً يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز مجرد التأييد السياسي لتصل إلى مستوى شرعنة البديل الديمقراطي في إيران.. هذا الحراك الدولي يعيد وضع الملف الإيراني في صدارة الأجندة الجيوسياسية ليس فقط كقضية حقوق إنسان بل كملف أمن إقليمي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمسألة التحول الديمقراطي المنظم.

تقاطع الشرعية الدولية مع المطالب الشعبية

إن اتساع رقعة الدعم الدولي لهذا الحراك الذي يضم رؤساء دول وحكومات سابقين و1500 برلماني و80 حائزاً على جائزة نوبل يشير إلى تحول في المقاربة الدولية تجاه إيران.. فالبيان لا يكتفي بإدانة انتهاكات حقوق الإنسان بل يتجاوز ذلك إلى تبني مشروع برنامج المواد العشر للسيدة مريم رجوي كخارطة طريق للانتقال السياسي.

إن هذا الدعم يعكس قناعة لدى النخب العالمية بأن الاستقرار الإقليمي لا يمكن تحقيقه بمعزل عن وجود بديل ديمقراطي مهيكل ومستعد لإدارة مرحلة ما بعد الاستبداد وهو ما يعزز شرعية المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية كطرف فاعل في المعادلات السياسية الكبرى.

تفكيك بنية القمع في ظل الأزمات

تشير التقارير الميدانية المستقلة وشهادات الناشطين إلى أن السلطات الإيرانية تستغل اضطراب المشهد الدولي والنزاعات الإقليمية لشن حملات قمع واسعة شملت إعدامات سياسية واعتقالات طالت الآلاف من الشباب؛ التحليل الاستراتيجي لهذه الممارسات يشي بمحاولة نظام الملالي استباق أي "حالة ثورية" عبر تفريغ الساحة من القوى التنظيمية الفاعلة، وإن استنكار الموقعين الدوليين لهذه السياسات يضع النظام في عزلة حقوقية دولية ويؤكد أن المجتمع الدولي بدأ يدرك أن القمع المنهجي هو "أداةً من أجل البقاء" لا تعبر عن ثبات النظام بل عن هشاشته الداخلية أمام إرادة التغيير.

الجمهورية الديمقراطية بين رفض الماضي واستشراف المستقبل

يتمحور خطاب المقاومة الإيرانية حول رفض ثنائية "الاستبداد الديني" و"دكتاتورية الشاه" وهو ما يعكس نضجاً سياسياً يقطع الطريق على أي محاولات لفرض أجندات خارجية أو العودة إلى أنظمة حكم استبدادية سابقة.. وإن تركيز البيان على حق الشعب الإيراني الحصري في تقرير مصيره يؤكد على استقلالية القرار الوطني وهو مبدأ جوهري في برنامج المواد العشر الذي يهدف إلى تأسيس نظام جمهوري ديمقراطي يعتمد على الانتخابات الحرة كمرجعية وحيدة لنقل السلطة.

 هذا المنهج يقلص الفجوة بين الأيديولوجيا السياسية والواقع العملي حيث تلتزم المقاومة بفترة انتقالية لا تتجاوز ستة أشهر مما يوفر تطمينات سياسية للمجتمع الدولي بشأن استقرار المرحلة الانتقالية.

أبعاد برنامج المواد العشر كنموذج للحكم الرشيد

يُقدم " برنامج المواد العشر" الذي طرحته السيدة مريم رجوي إطاراً مؤسسياً شاملاً للحكم الرشيد، وقد حاز هذا الطرح على تأييد واسع من أكثر من 4000 مشرع من مختلف دول العالم متجاوزاً بذلك مجرد الدعم السياسي إلى تبني رؤية عملية لإدارة الدولة؛ فالمبادئ التي يقوم عليها مثل فصل الدين عن السلطة، وإلغاء عقوبة الإعدام، والمساواة بين الجنسين وإقامة إيران غير نووية تمثل في جوهرها وتلبي مقتضيات السلم الإقليمي.. هذا الطرح يغير طبيعة الصراع من مواجهة أمنية إلى منافسة سياسية برامجية حيث يسعى المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية إلى تقديم نفسه كبديل جاهز تقنياً ومؤسسياً لإدارة الدولة معتبراً أن التغيير هو شأن داخلي رافضاً لأي تدخل عسكري أجنبي.. وهو موقف يعزز من مصداقيته كحركة استقلال وطني.

إن هذا التضامن الدولي المتصاعد مع المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية يشير إلى تحول في "إدارة التوقعات" تجاه الملف الإيراني؛ فالرهان الدولي لم يعد على "تعديل سلوك" نظام الملالي الحاكم بقدر ما أصبح على دعم الانتقال السياسي المنظم.. وإن قدرة المقاومة الإيرانية على حشد هذا التأييد العالمي مع الحفاظ على استقلاليتها التنظيمية والمالية لتضعها في موقع استراتيجي متقدم.

 إن مستقبل إيران كما يراه المراقبون لم يعد رهناً بالصراعات الجيوسياسية فحسب بل هو مرهونٌ بقدرة الشعب الإيراني على خلق جبهة تضامن وطني قادرة على ملء الفراغ السياسي وتأسيس جمهورية ديمقراطية تضع حداً لسياسات الانغلاق والتوسع وتستعيد مكانة إيران كعنصر فاعل ومسالم في النظام الدولي.  

ملاحظة تحليليّة: في ظل هذه المعطيات يتبين أن النقطة الفارقة في قوة هذا الحراك ليست في عدد الموقعين فحسب بل في طبيعة المنظومة المؤسساتية التي يطرحها المجلس الوطني للمقاومة.. فهل تعتقد أن المجتمع الدولي سيحول هذا الدعم السياسي إلى ضغط دبلوماسي ملموس يغير من موازين القوى داخل إيران في المدى المنظور؟