تشهد الساحة الإيرانية في مرحلتها الراهنة حالة من "الاحتقان البنيوي" التي تضع النظام السياسي الحاكم أمام اختبار بقاء حقيقي.. ومع تصاعد وتيرة الاحتجاجات واتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع لم يعد الصراع السياسي في إيران مقتصرًا على محاولة إسقاط النظام فحسب بل امتد ليشمل صراعاً استراتيجياً حول طبيعة البديل السياسي القادم، وبعيداً عن الخطابة لابد لنا من فهم كيف أصبحت ثنائية "لا للشاه ولا للملالي" حجر الزاوية في معادلة التغيير الوطني بعد قرابة ستة عقود من النضال ضد منظومتين استبداديتين تعاقبتا ككابوس على جاثمٍ على صدور الإيرانيين وعموم أبناء المنطقة.
معضلة الاستمرارية المقنعة.. ومهازل البدائل المصطنعة
تُشير القراءات الاستراتيجية للأزمات القائمة في ظل الأنظمة الاستبدادية القمعية إلى أن هذه الأنظمة عندما تواجه تهديدات وجودية تميل عادةً إلى استحضار "بدائل كرتونية" أي هياكل سياسية هشة أو قوى مماثلةٍ تابعة تهدف إلى تشتيت الطاقات الثورية وإعادة تدوير الاستبداد بأقنعة جديدة.. وفي الحالة الإيرانية تبرز محاولات إعلامية وسياسية دؤوبة لبعث نزعات "نظام الشاه" السابق، وتصويرها كبديل ديمقراطي محتمل؛ هذا التوجه في التحليل السياسي الرصين لا يعدو كونه استراتيجية دفاعية تهدف إلى منع بروز حركة تغيير جذري مستقلة ترفض معادلة "الاستبداد بديل الاستبداد".. وإن الهدف من هذه "البدائل المصطنعة" هو إبقاء الشعب الإيراني حبيس دائرة مغلقة من خيارات لا تؤدي إلى الخلاص أو قيام دولة تسودها سيادة القانون والتعددية الحقيقية.
وضوح الرؤية كأداة للمقاومة السياسية
تدرك السلطة القائمة أن الخطر الاستراتيجي الذي يهدد استقرارها لا يكمن في الضغوط الدبلوماسية الخارجية فحسب بل في صعود بديل ديمقراطي منظم يمتلك قاعدة اجتماعية متجذرة.. لذا تكرس الأجهزة الأمنية والآلات الدعائية للنظام موارد ضخمة لطمس الفوارق بين القوى الوطنية المستقلة وبين التيارات المدجنة.. وهنا تبرز أهمية "الوضوح السياسي" كضرورة وطنية إذ بات لزاماً على الفاعلين السياسيين والجمهور التمييز بين القوى التي تتبنى أجندة وطنية مستقلة تتسم بالاستقلالية عن المصالح الخارجية وعن إرث الاستبداد وبين تلك التي تتقاطع مصالحها بشكل أو بآخر مع استمرار هياكل الحكم الفردي.
إن التمسك بشعار "لا للشاه ولا للملالي" يمثل في جوهره رفضاً للأحادية الفكرية والتوجه نحو تأسيس مرحلة جديدة تقوم على السيادة الشعبية.
ديناميكيات التحول من الاحتجاج إلى التأسيس
إن تقارير مراكز الرصد الدولية تظهر أن الانتفاضات الإيرانية لم تعد مجرد حركات عفوية للمطالبة بالحقوق الاقتصادية بل تحولت إلى مسار سياسي يبحث عن "هوية بديلة"..، وقد أدرك الشعب الإيراني من خلال تجربته التاريخية الطويلة أن الانتقال الديمقراطي لا يتحقق عبر إصلاحات فوقية داخل النظام بل عبر تفكيك منظومة الولي الفقيه بكامل أركانها، ويكمن التحدي الراهن في خلق حالة من التلاحم بين تطلعات الشارع وبين برنامج سياسي بديل يضمن:
وحدة الأراضي الإيرانية بعيداً عن التشرذم أو التدخلات الخارجية.
الفصل بين السلطات وتأسيس جمهورية قائمة على قيمٍ دستورية وعلى الانتخابات الحرة النزيهة.
صيانة الحقوق الأساسية التي تصون كرامة المواطن وتنهي حقبة القمع.
المسؤولية الوطنية في لحظة المفارقة
إن السؤال الجوهري الذي يواجه المشهد الإيراني اليوم ليس "هل سيسقط النظام؟" بل "ما هي طبيعة الدولة التي ستنشأ بعد السقوط؟".. وأن التغيير الذي يفتقر إلى أساس مؤسساتي هو تغيير هش قد يرتد نحو الدكتاتورية مرة أخرى.. لذلك تبرز المسؤولية الوطنية للتيارات السياسية المعارضة في تعزيز الوعي حول ضرورة بناء جبهة وطنية واسعة لا تقوم على الانتماء الأيديولوجي الضيق بل على التوافق الديمقراطي العريض.. وإن القدرة على تقديم هذا البديل الذي يرفض الماضي (الشاه) والحاضر (الملالي) هي الاختبار الحقيقي لقدرة المقاومة على قيادة إيران نحو مرحلة من الاستقرار الديمقراطي.
خلاصة
خلاصة القول.. يمر المشهد السياسي الإيراني بمرحلة إعادة تشكيل جوهرية.. وإن الصمود التاريخي للمقاومة الملتزمة بالثوابت الديمقراطية رغم الضغوط الممنهجة ليعكس نضجاً سياسياً قادراً على تجاوز فخاخ الأنظمة السلطوية.
إن المرحلة القادمة ستحدد ما إذا كانت إيران ستنحو نحو الانفتاح السياسي والتعددية أم أنها ستظل رهينة لمحاولات تدوير الاستبداد؛ والحقيقة الناصعة هنا هي أن الشرعية السياسية في المستقبل لن تُمنح إلا للقوى التي أثبتت تمسكها بالاستقلال والحرية والديمقراطية في أحلك الظروف ورفضت الارتهان لأي شكل من أشكال الحكم المطلق.
