في الحروب التقليدية تكون الهدنة نافذة يلتقط فيها الإنسان أنفاسه وتُداوى فيها الجراح وتعود الحياة إلى شيء من توازنها المفقود، أما في غزة فقد تحولت الهدنة إلى سؤال أخلاقي وقانوني كبير حين ارتقى ألف شهيد في الفترة التي كان يفترض أن تكون عنوانا لحماية المدنيين ووقف نزيف الدم.
إن الرقم هنا لا يمثل إحصائية عابرة في سجل الصراعات بل هو ألف قصة انطفأت وألف عائلة كُتب عليها أن تحمل فاجعة جديدة في زمن كان العالم ينتظر فيه أن تتراجع أصوات الرصاص،أطفال خرجوا يبحثون عن لقمة خبز ونساء حاولن حماية ما تبقى من أسرهن وشيوخ أنهكتهم سنوات الحصار والحرب وجدوا أنفسهم مرة أخرى في مواجهة الموت.
لقد كشفت هذه المرحلة أن المشكلة لا تكمن فقط في سقوط الضحايا بل في طبيعة المشهد الذي تتكرر فيه عمليات القتل والاستهداف الإسرائيلية خلال فترة يفترض أنها محكومة بالتزامات سياسية وإنسانية واضحة فالهدنة ليست منحة بل هي اتفاق تترتب عليه مسؤوليات وتفرضها قواعد القانون الدولي الإنساني الذي يوجب حماية المدنيين في غزة وعدم تعريضهم للخطر.
ومن هنا فإن سقوط هذا العدد الكبير من الشهداء خلال فترة التهدئة يطرح أسئلة عميقة حول معنى الالتزام الإسرائيلي بالاتفاقات وحول قدرة المجتمع الدولي والوسطاء خاصة الولايات المتحدة على فرض احترام القواعد التي وضعها بنفسه لحماية الإنسان في أوقات النزاعات المسلحة.
غزة اليوم ليست مجرد ساحة مواجهة عسكرية بل مختبر قاس لضمير العالم، مدن مدمرة وأحياء تحولت إلى ركام ومواطنون يبحثون عن الماء والغذاء والدواء تحت وطأة الخوف والجوع، وما يزيد المأساة قسوة أن كثيرين سقطوا أثناء محاولتهم الوصول إلى المساعدات الإنسانية أو تأمين أبسط مقومات البقاء.
إن أخطر ما تخلقه الجرائم المركبة ليس فقط عدد الضحايا بل الاعتياد على المأساة وتحويل صور الأطفال تحت الأنقاض والطوابير الباحثة عن الطعام إلى مشاهد عادية تمر في نشرات الأخبار دون أن تهز الضمير العالمي، وهنا تكمن الهزيمة الحقيقية للنظام الدولي عندما تصبح القوانين التي كُتبت لحماية الإنسان عاجزة أمام مشاهد الموت اليومية.
سياسيا فإن استمرار سقوط الشهداء خلال الهدنة يضرب جوهر أي مسار سياسي قائم على بناء الثقة ويجعل من الاتفاقات أوراقا بلا روح إذا لم تقترن بآليات رقابة ومحاسبة حقيقية، فلا هدوء يمكن أن يولد فوق جماجم المدنيين ولا استقرار يمكن أن يقوم فوق شعور شعب كامل بأن دمه مباح.
ألف شهيد منذ بداية الهدنة ليست مجرد حصيلة زمنية بل وثيقة اتهام أخلاقية وسياسية وقانونية يجب أن تبقى حاضرة في ذاكرة العالم، فهي تذكر الجميع أن غزة لا تحتاج فقط إلى بيانات تعاطف وخطابات قلق بل إلى موقف إنساني جاد يوقف دورة الدم ويعيد الاعتبار لقيمة الإنسان وحقه الطبيعي في الحياة والكرامة.
فالأمم لا تُختبر في لحظات القوة والرخاء وإنما تُختبر عندما يقف طفل جائع تحت سماء الحرب وينتظر من العالم أن يتذكر أنه إنسان.
