من خوف الجماهير الى الثقة بالنفس!
تاريخ النشر : 2026-06-15 13:37

منذ البدايات اعتراني الخجل الشديد من مواجهة الآخرين، أو الحديث والحوار معهم ليس لقلة معرفة أو عجز بالمعلومات أو لخلل جسدي، وإنما لطبيعة اكتشفتها لاحقًا فيما قرأته بعد زمن طويل ما اندرج تصنيفًا ضمن الشخصية الانطوائية مقابل الشخصية الانبساطية، وبالطبع ما اكتشفته لاحقًا أيضًا من مزايا عديدة ومثالب لكل من الشخصيتين.
نعود للأصل حيث المسير الحثيث نحو استلامي لجائزة التفوق في المدرسة منذ الصف الأول حتى الثانوية العامة؟ فإنا كنت طالبًا متفوقًا فلماذا لا أستطيع الصمود نفسيًا في إطار مواجهة الجمهور حيث تعتريني الرهبة والخوف الذي معه كنت أتمنى ألا أصعد الى العتبة أو المنصة أو المسرح لأستلم جائزة التفوق في كل هذه السنوات!
كنت مجتهدًا جدًا، فشهادة الأول على الصف وأحيانًا على المدرسة كانت الحصن الحصين الذي أواجه فيه الناس وذاتي المنكمشة غير القادرة على مواجهة الناس والعيون، إذ لم أحفظ أربع عبارات تفتح النقاش مع الآخرين!؟ (اشتريت كتيبًا حول الموضوع وكان بلا فائدة) فاعتبرت خجولًا حييًا وهو ما كان حتى دخلت الجامعة.
في مسابقة بأحد الأندية الثقافية فترة الثانوية فُزت-كالعادة-بالمركز الأول فما كان من النادي إلا أن كرم الفائزين بفروع المسابقات المختلفة وكنت من بينهم. فأصبتُ بالهلع لأنني سأكون بمواجهة جمهور طويل عريض أعرض من كل الجماهير عندما كنت أتسلم شهادة المرتبة الأولى في المراحل الدراسية المختلفة!
كانت المسافة من مقعدي ضمن الجمهور حتى الوصول الى درج الرُكح بالمسرح ثم تسلم الجائزة (كأنها ألف سنة مما تعدون)!
في احتفالية للاتحاد العام لطلبة فلسطين عقدت في (سينما الأندلس) بالكويت ما قبل الجامعة، حضرتها وأنبهرت بأحد الأخوة وهو رئيس الاتحاد آنذاك الأخ بسام هلسه الذي وقف شامخًا كالطود (كما أحسسته حينها) ليتحدث كلمة الاتحاد! فقرّرت حينها أن أكون مكانه وبنفس الثقة والقوة والطلعة والبهاء والإقدام وهو ما كان بعد سنتين فقط، وبنفس المكان! بل وبمواجهة ليس الجمهور فقط بل القائد الإنسان صلاح خلف (أبوإياد).
أصبحتُ رئيسًا لاتحاد الطلاب وسرت بدرب التخلص من الانكماش والخجل-وما قد يفهم فقدان الثقة بالنفس-وصعوبة مواجهة الجمهور (أشرت لذلك أيضًا بكتابي المعنون فن الحديث: في الخطاب المؤثر والأسلوب الجذاب-دار الأمين عام 2020م).
في كل المراحل السابقة وأنا أفهم الخجل أو الخوف من السخرية وصعوبة المواجهة العامة كنقص بالشخصية! أوعيبًا أو ضعف الثقة بالنفس! حتى اكتشفت أن مواجهة الجمهور والخوف من التحدث اليهم يعدّ في قمة المخاوف (الفوبيا) في العالم حيث أشارت الاحصائيات الى أن كل 4 من 5 يخشون التحدث (الخطاب) مع الناس! وأن رُهاب الحديث مع الجماهير تعد الأولى بالعالم وتتفوق على الخوف من الموت؟! هذا ما علمته متاخرًا بعشرات السنين!
في إطار البناء الذاتي بعيدًا عن فهم السبب أو الاطلاع على الاحصائيات وما قبلها خُضتُ مئات وربما آلاف الصراعات والمواجهات الحوارية وفي الدورات والندوات واللقاءات عبر العالم، ومازالت عيناي -رغم ذلك- تتجنبان أحيانًا النظر المباشر لعيون الآخرين. المهم أني قضيتُ على رُهاب المواجهة، وإن ظلّت سِمة الحياء المرتبطة بالأخلاق الدينية قائمة.
مؤخرًا اطلعت على كتاب: (قوة الانطوائيين في عالم لا يتوقف عن الكلام للكاتبة المبدعة سوزان كين) ففهمت! -وأقول ارتحت كثيرًا- أن:
1. "نحو ثلث إلى نصف الناس انطوائيون بدرجات متفاوتة، وأن هذا ليس عيباً بل سمة بيولوجية ونفسية لها مزاياها".
2. عدد من الأبحاث تُظهر أن القادة الانطوائيين قد يكونون أكثر فاعلية في بعض السياقات (خاصة مع فرق عمل ذات استباقية عالية).
3. الانبساطيون أكثر ميلاً للمخاطرة والإثارة، والانطوائيون أكثر حذراً وتأملاً قبل القرار
4. في الثقافات الآسيوية (الصينية والكورية واليابانية)، (وأنا أقول والعربية) يُنظر إلى الهدوء والتواضع والإنصات كفضائل، بعكس "المثل الانبساطي" الأميركي.
5. بالكتاب دعوة لإعادة التوازن بين قيم الهدوء والصخب في العمل والتعليم والعلاقات، وأن المجتمع المثالي هو الذي يستثمر طاقات كل الأطباع والشخصيات.
دعني أختم هذا السرد بعدد من النقاط التي أظنني اتبعتها أواكتشفتها للتغلب على تجنب المواجهة-التي فهمها البعض ضعف ثقة بالنفس وما هي كذلك-كالتالي:
1-ارفض العيون المُشفِقة وكلمات شدّ الأزر في غير مكانها، أي كأن الوضع ميئوس منه!
2-واجه أسوأ كوابيسك، وخُذ نفسًا عميقًا وتقدم، وحدّث نفسك بما تريد أن تكون عليه، وتخيل وانطلق لتحقق ما تصورته خيالًا، ولكنك بالإرادة ستراهُ واقعًا.
3-اتخذ من قدراتك الأساسية في أي مجال (ثقافة، فن، رياضة، زراعة، صناعة، تقانة، أمن، قانون، هندسة، قصص، شعر، الحدس، قضية، المحبة، تاريخ، فكر..الخ) حصنك الدافئ والمريح حين المواجهة، لأنك بأي منها أو بها صلبٌ وقادر.
4-اتخذ نموذجًا وقلّده كبداية ثم تميّز وانطلق ولاتكن تابعًا لأحد، وطوّر ذاتك بتكرارالممارسة.
5-تدرّب وتمرّن مرة تلو الأخرى، ولو بعد ألف مرة، قبل الإقدام والمواجهة.
6-اقرأ كثيرًا وافهم، واكتب، ولا تتوقف عن الفعل أي فعل تريده (وأنا التزمت بقوانين فن الحديث، والمواجهة للجمهور بالسياق وهي 35 من أعدادي، تلك المكتسبة عبر المسيرة)
7- التواصل الصريح مع المقرّبين (وهم لدى الشخصية هذه قلّة)، ووضّح ذاتك تجنبًا لسوء الفهم، فينتقل هؤلاء الى دعاة لك.(أنا أغلق الهاتف كليًا مساء متفرغًا للقراءة أو الكتابة أو ما أراهُ)
لم تكن المسيرة سهلة لشخصيتي في المجالات المتعددة ومنها هذا المجال، بل مرّت بفترات ركود وانحسار وحزن وألم وفقدان أمل كما مرت بفترات ثراء وبهجة والتزام بالإقدام وشجاعة المواجهة خاصة مقابل القادة الفلسطينيين ضمن المجال الذي اخترته رغم دراستي الأصلية بالهندسة. ومازلت محافظًا على عقلية الصراع والمواجهة القوية ضد كل أنواع الشرور سواء بالكلمة في مكانها أوبالعمل، وفي الأدنى حين التعامل مع حديث النفس الخالد ذاك المربوط مع الله سبحانه وتعالى.