في كل جيل فلسطيني كانت هناك مهمة وطنية كبرى. جيل حمل السلاح دفاعا عن الأرض، وجيل صمد في السجون، وجيل واجه الاحتلال في الانتفاضات، وجيل حافظ على الهوية الفلسطينية في المنافي والشتات.
أما أنتم، جيل اليوم، فتواجهون معركة مختلفة لا تقل خطورة عن كل ما سبق.
أنتم تواجهون احتلالا يسرق الأرض والموارد والفرص، لكنكم تواجهون أيضا واقعا فلسطينيا مأزوما تتراجع فيه فرص العمل، وتتسع فيه دائرة الفقر، وتتآكل فيه الثقة بالمؤسسات العامة، وتتراجع فيه المشاركة السياسية، بينما يزداد شعور الشباب بأنهم خارج دائرة التأثير وصناعة القرار.
اسألوا أنفسكم بصراحة:
كم شابا فلسطينيا يحمل شهادة جامعية ولا يجد فرصة عمل تحفظ كرامته؟
كم شابة فلسطينية تمتلك الكفاءة والخبرة لكنها تصطدم بعقبات اجتماعية أو إدارية تمنعها من تحقيق طموحها؟
كم شابا يشعر أن رأيه لا قيمة له، وأن القرارات المصيرية تتخذ بعيدا عنه؟
وكم من أصحاب الكفاءات غادروا الوطن أو يفكرون بمغادرته لأنهم لم يجدوا مساحة تمكنهم من تحقيق أحلامهم؟
هذه ليست أسئلة نظرية، بل هي واقع يعيشه عشرات الآلاف من الشباب الفلسطينيين يوميا.
لكن المشكلة الأكبر ليست في وجود هذه الأزمات، بل في التعامل معها باعتبارها قدرا لا يمكن تغييره.
لقد تربى جيلنا على انتظار الحلول من السياسيين أو المؤسسات أو القيادات أو المجتمع الدولي. وبعد سنوات طويلة اكتشفنا أن كثيرا من هذه الحلول لم تأتي، وأن الوقت الذي ضاع في الانتظار كان يمكن أن يستثمر في صناعة البدائل.
لهذا أخاطبكم اليوم بوضوح:
لا تنتظروا أحدا ليصنع مستقبلكم.
إذا كانت المؤسسات عاجزة عن استيعاب طاقاتكم، فابحثوا عن طرق جديدة لخلق الفرص.
إذا كانت الحياة السياسية مغلقة أمامكم، فابنوا مساحات للنقاش والحوار والمبادرات المجتمعية.
إذا كانت فرص العمل محدودة، ففكروا في المشاريع الصغيرة والعمل الرقمي وريادة الأعمال والتدريب المستمر واكتساب المهارات التي يحتاجها العالم الجديد.
العالم يتغير بسرعة هائلة، بينما ما زالت قطاعات واسعة من مجتمعنا تفكر بعقلية قديمة لا ترى في الشباب إلا متلقين لا شركاء.
الحقيقة أن فلسطين لا تحتاج فقط إلى مقاومة الاحتلال، بل تحتاج أيضا إلى مقاومة اليأس، ومقاومة السلبية، ومقاومة ثقافة الاعتماد على الآخرين.
لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن دوركم يقتصر على التصفيق أو التبعية أو انتظار الفرصة.
طالبوا بحقكم في المشاركة، وحقكم في التعبير، وحقكم في اختيار من يمثلكم، وحقكم في أن تكونوا جزءا من رسم السياسات التي ستحدد شكل حياتكم ومستقبل أبنائكم.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب ليس الاحتلال وحده، بل أن يفقد شبابه إيمانهم بقدرتهم على التغيير.
لقد أخفقت أجيالنا في تحقيق الكثير من الأهداف التي حلمت بها، وارتكبنا أخطاءً سياسية ووطنية وتنظيمية كبيرة، وتركنا لكم واقعا مليئا بالأزمات والتحديات. لكن هذا لا يعني أن عليكم أن ترثوا أخطاءنا أيضا.
تعلموا من تجاربنا، لكن لا تكرروا إخفاقاتنا.
فكروا بطريقة مختلفة.
اسألوا الأسئلة التي خفنا من طرحها.
وابحثوا عن الحلول التي لم نمتلك الشجاعة الكافية للوصول إليها.
ختاما...
يا شباب فلسطين وشاباتها،
لا تجعلوا غدكم نسخة من حاضرنا، ولا تسمحوا لأحد أن يختصر أحلامكم في حدود الأزمة التي نعيشها اليوم.
أنتم الجيل الأكثر تعليما، والأكثر اتصالا بالعالم، والأكثر قدرة على الوصول إلى المعرفة في تاريخ الشعب الفلسطيني.
فإما أن تتحول هذه القدرات إلى قوة تغيير حقيقية، وإما أن يمر العمر وأنتم تشاهدون الآخرين يرسمون مستقبلا لم تشاركوا في صناعته.
لقد ورثتم وطنا مثقلا بالجراح والتحديات، لكنكم ما زلتم تملكون شيئا لا يملكه أحد غيركم:
الفرصة الأخيرة لإعادة بناء الأمل على أسس جديدة، أكثر عدلا وحرية وكرامة وإنسانية.
والسؤال الذي سيطرحه عليكم التاريخ يوما لن يكون: ماذا كان واقعكم؟
بل سيكون:
ماذا فعلتم لتغييره؟.
الى شباب وشابات فلسطين: لا تسمحوا أن يكون مستقبلكم نسخة من حاضرنا
تاريخ النشر : 2026-06-12 22:43
