في الوقت الذي تواصل فيه آلة الحرب الإسرائيلية استهداف قطاع غزة بكل ما تملك من قوة يظهر بين الحين والآخر من يحاول تحويل بوصلة الغضب الشعبي من مواجهة الاحتلال إلى مواجهة الذات وتحت عناوين براقة وشعارات تبدو للوهلة الأولى تعبيراً عن حالة الاحتقان والمعاناة تبرز دعوات لما يسمى "ثورة الغضب في 26 يونيو" لتثير تساؤلات مشروعة حول الجهات التي تقف خلفها والأهداف الحقيقية التي تسعى إلى تحقيقها.
لا خلاف على أن الشعب الفلسطيني يعيش واحدة من أصعب المراحل في تاريخه الحديث ولا خلاف أيضاً على حق المواطنين في التعبير عن آرائهم ومطالبهم وانتقاد السياسات المختلفة لكن ما يستدعي التوقف هو محاولة استثمار هذا الغضب المشروع في اتجاهات قد تؤدي إلى صدامات داخلية وتمزيق ما تبقى من حالة التماسك الوطني.
▪︎ أدوات الاحتلال
أدرك الاحتلال منذ وقت مبكر أن قوة الفلسطينيين تكمن في وحدتهم وأن الانقسام الداخلي يحقق له ما قد تعجز عنه الدبابات والطائرات لذلك لم يتوقف عبر العقود عن استخدام مختلف الأدوات السياسية والإعلامية والأمنية لإثارة الخلافات وتعميق الانقسامات داخل المجتمع الفلسطيني فكلما انشغل الفلسطينيون بصراعاتهم الداخلية تراجعت الضغوط على الاحتلال واقترب أكثر من تحقيق أهدافه الاستراتيجية.
ومن هذا المنطلق تبدو بعض الدعوات التي تُطلق من خارج غزة أو عبر منصات إعلامية وحسابات مجهولة المصدر مثيرة للتساؤلات حول أهدافها وتوقيتها خاصة عندما تتجه إلى توجيه حالة الغضب الشعبي نحو الداخل الفلسطيني بدلاً من توجيهها نحو الاحتلال الذي يبقى المسؤول الأول عن المأساة المستمرة.
ولا تكمن خطورة هذه الدعوات في الشعارات التي ترفعها بقدر ما تكمن في النتائج التي قد تترتب عليها إذا ما تحولت إلى حالة من الفوضى أو الاحتقان الداخلي ، فغزة التي دفعت أثماناً باهظة من دماء أبنائها ودمار بنيتها التحتية، ليست بحاجة إلى جبهة صراع جديدة داخلية بل إلى مزيد من التماسك الوطني وتعزيز عوامل الصمود والقدرة على مواجهة التحديات المصيرية التي يفرضها الاحتلال.
▪︎ من العراق الى غزة
التاريخ يعلمنا أن الشعوب الواقعة تحت الاحتلال تخسر كثيراً عندما تنتقل معاركها من مواجهة المحتل إلى مواجهة نفسها فالتجربة العراقية تقدم مثالاً واضحاً على المخاطر التي تواجه المجتمعات عندما تتحول حالة الغضب والاحتقان إلى انقسام داخلي واسع فبعد سنوات من الحروب والاحتلال والصراعات السياسية وجد العراقيون أنفسهم أمام استقطابات حادة وصراعات داخلية استنزفت الدولة والمجتمع وأضعفت قدرة البلاد على مواجهة التحديات الكبرى وبينما كانت المطالب الشعبية في كثير من الأحيان مشروعة فإن توظيف الانقسامات وتغذيتها من أطراف داخلية وخارجية أدى إلى نتائج دفعت البلاد ثمنها لعقود.
العراق ليس المثال الوحيد فالكثير من الدول التي تعرضت للحروب والاحتلالات دفعت أثماناً باهظة عندما انتقلت المعركة من مواجهة التحديات الخارجية إلى صراعات داخلية.
▪︎ إضعاف الموقف الفلسطيني
إن الدعوات المرتبطة بما يسمى "ثورة الغضب في 26 يونيو" تستوجب قدراً كبيراً من الوعي والمسؤولية الوطنية فالمطلوب ليس كبت الأصوات أو مصادرة الآراء فالتعبير عن الرأي حق مشروع وإنما التمييز بين الحراك الوطني الذي يهدف إلى حماية المجتمع وتعزيز صموده وبين أي محاولات لاستغلال الأزمات الإنسانية والسياسية وتحويلها إلى وقود لفتنة أو صراع داخلي لا يخدم سوى الاحتلال وأهدافه.
وفي ظل ما يواجهه الشعب الفلسطيني من تحديات مصيرية تصبح المحافظة على الوحدة الوطنية ضرورة لا تحتمل التهاون فالمعركة الأساسية ما زالت مع الاحتلال وسياساته وأي محاولة لجر الشارع الفلسطيني إلى صراعات جانبية أو انقسامات داخلية أياً كان مصدرها أو الجهات الداعمة لها لن تؤدي إلا إلى إضعاف الموقف الفلسطيني وتشتيت الجهود واستنزاف الطاقات في معارك لا رابح فيها بينما يكون المستفيد الأكبر منها هو الاحتلال.
▪︎ الوعي الشعبي
في مواجهة الأزمات الكبرى لا يقتصر دور الشعوب على الصمود وتحمل التحديات بل يمتد إلى امتلاك الوعي الكافي لقراءة الأحداث وتمييز الحقائق من محاولات التضليل والتوجيه فالوعي الشعبي يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة أي محاولات لاستغلال حالة الغضب أو المعاناة لدفع المجتمع نحو الانقسام والصراع الداخلي.
وفي الحالة الفلسطينية تزداد أهمية هذا الوعي في ظل الحرب المستمرة وحجم الضغوط النفسية والإنسانية التي يعيشها المواطنون فكلما ارتفعت مستويات الإحباط والغضب ازدادت الحاجة إلى التعامل بحكمة مع الدعوات والشعارات المتداولة والتحقق من أهدافها ونتائجها المحتملة قبل الانخراط فيها فليس كل ما يُطرح تحت عنوان الإصلاح أو التغيير يؤدي بالضرورة إلى تعزيز المصلحة الوطنية خاصة إذا كان من شأنه إضعاف الجبهة الداخلية أو تشتيت الجهود عن القضية الأساسية.
في النهاية قد يكون الغضب مشروعاً وقد تكون المطالب محقة لكن الخطر يبدأ عندما يُدفع الناس إلى تحويل غضبهم نحو بعضهم البعض بدلاً من توجيهه إلى أصل المأساة فالتاريخ لا يرحم الشعوب التي تسمح للانقسام بأن يتسلل إلى صفوفها في لحظات الخطر ولا ينسى أولئك الذين استغلوا الأزمات لإشعال الفتن وبينما تتكاثر الدعوات والشعارات يبقى السؤال الأهم من المستفيد الحقيقي إذا تحول الشارع الفلسطيني إلى ساحة صراع داخلي؟
الإجابة قد لا تكون صعبة لكن ثمن اكتشافها بعد فوات الأوان قد يكون باهظاً على الجميع.
السادس والعشرون من يونيو السلاح الذي يراهن عليه الاحتلال
تاريخ النشر : 2026-06-11 21:07
