غزة الأرض التي تبتلع العروش ويبقى إنسانها الكنعاني الصراع اليوم ليس جديدا بل هو امتداد لقرون مضت صراعٌ على من يحكمنا أو من يمثلنا أو من يتقاسم ما تبقى من الإنسان والأرض والسماء في هذه البقعة الصغيرة منذ الازل والكل يتكالب على حكم غزة عاشت هذه الأرض فتوحات وخذلاناا واجهت أعاصير ونكبات وقليلا ما تذوقت أجواء الهدوء والبناء والتطور لقد قسم لهذه الأرض بساكنيها ان تعيش الحروب والسجون والتهجير والوعيد والتدمير وفي كل مرحلة يعتلي منصاتها وجوه جديدة بأفكار جديدة ومقترحات جديدة كأن غزة أرضٌ ومعمل تجارب تارة يُرفع علمها وتارة يستبدل وتارة تصبح الرايات زرقاء وتارة صفراء وتارة خضراء أو بيضاء وما زلنا نواكب اعلاما جديدة الكل يريد نصيبا مما تبقى من أرضها وخيراتها بينما يُقتل الإنسان ويراد منه ان يصفق ويهلل وهو لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم. لقاءات تعقد هنا وهناك وجوه نراها ووجوه تغيب ولكن المخيف حقا هو ذلك الجالس خلف الستار يخفي وجهه وطمعه ويحرك هذه الخيوط ليكون هو المستفيد الوحيد في النهاية في قراءة تاريخية ممتدة نجد ان معاناة اهل غزة بدات منذ فجر التاريخ بسبب موقعها الاستراتيجي الفريد كبوابة بين اسيا وإفريقيا وجسر يربط بين حضارات مصر والشام هذا الموقع جعلها مطمعا لكل امبراطورية نشأت في العالم القديم والحديث ففي البداية أسسها الكنعانيون والفلستينيون وعاشوا ازدهارها التجاري لكنهم واجهوا غزوات مستمرة ثم توالت عليها جيوش الآشوريين والبابليين الذين أحدثوا فيها دمارا كبيرا وفرضوا على سكانها التهجير والضرائب الباهظة وعندما وصلت جيوش الإغريق بقيادة الإسكندر الأكبر عام 332 قبل الميلاد واجهت غزة الغازي بحصار شهير دام شهرين فكان انتقامه وحشيا بتدمير اسوارها وقتل رجالها وسبي نسائها وأطفالها تلا ذلك الحكم الروماني والبيزنطي الذي شهد تقلبات بين الازدهار والثورات ضد المظالم حتى جاء الفتح الإسلامي عام 634 ميلادي لتُعرف المدينة بـغزة هاشم وتعيش فترات من الاستقرار تخللها دمار هائل إبان الحملات الصليبية حيث تبادلت القوى السيطرة عليها حتى حررها صلاح الدين الأيوبي وفي عهد المماليك أصبحت نيابة مستقلة وخط دفاع أول ضد التمدد المغولي ليتسلم بعدها العثمانيون زمام الحكم الذي استمر لنحو أربعة قرون تعاقب خلالها البشاوات والحكام المحليون وعاشت غزة خلالها نكبات كبرى كحصار وتدمير نابليون بونابرت عام 1799 والقصف والدمار الشامل في الحرب العالمية الأولى الذي مهد الطريق لدخول الانتداب البريطاني عام 1917 والذي استمر لواحد وثلاثين عاما أرسى فيها قواعد المشروع الصهيوني وقمع الثورات الفلسطينية. وصولا إلى الإدارة المصرية بعد نكبة عام 1948 ثم وقع القطاع تحت الاحتلال الإسرائيلي المباشر عام 1967 ليعيش سبعة وعشرين عاما من الحكم العسكري المباشر والمستوطنات حتى قدوم السلطة الفلسطينية عام 1994 ثم الانسحاب الإسرائيلي عام 2005 وصولا إلى الانقسام الداخلي عام 2007 وبدء حقبة الحصار المشدد والحروب الإقصائية المتتالية التي نعيشها اليوم ان هذا التكالب المستمر تحركه أطماع واضحة فأولها الموقع الجغرافي الذي يمثل مفتاح القارات والتحكم في خطوط التجارة والنفوذ شرق المتوسط وثانيها المطامع الحديثة الكامنة في حقول الغاز الطبيعي قبالة سواحلها حقل غزة مارين الذي يمثل ثروة بمليارات الدولارات تحرم غزة من استغلالها لتبقى رهينة الحاجة بالإضافة إلى المشاريع الدولية التي تُطرح خلف الكواليس لإنشاء ممرات مائية وموانئ بديلة وفي ظل هذا السباق المحموم نحو العروش وإدارة المشهد يترك المتصارعون الشعب يواجه الموت بمفرده فالأطفال يعانون الجوع الشديد والشيوخ والنساء يتجرعون مرارة الفقد والتهجير المستمر من بيت إلى خيمة ومن خيمة الى العراء في غياب كامل لأابسط الحقوق الانسانية بينما تتبدد احلام الشباب وطاقاتهم في سجن كبير بانتظار مجهول لا يرحم ان المستفيد خلف الستار يواصل تحريك بيادقه لضمان استمرار هذه الماساة وعدم استقرار القطاع لان امتلاك شعب غزة لقراره الحر يعود بالخراب على كل مخططات التصفية والتهجير
وهنا نصرخ في وجه هذا العالم ووجه كل المتصارعين اوقفوا الحرب اولا انقذوا ما تبقى من ارواحنا وبيوتنا ومن ثم اختلفوا وتصارعوا كما شئتم على من يتولى حكم غزة كفى متاجرة بدمائنا اوقفوا شلال الدم والذبح اليومي ضعوا حداً لهذا الهلاك الذي ياكل الاخضر واليابس وبعدها اتركونا وشاننا لتروا من ستختار غزة
لكن وامام كل هذه السيناريوهات السوداوية والمخططات التي تحاك في الغرف المظلمة حول التهجير او الوصاية او الادارات المؤقتة فان التاريخ يمنحنا الحقيقة القطعية والوحيدة كل الغزاة والامراء والبشاوات والامبراطوريات التي مرت من هنا تحطمت عروشها ورحلت وتحولت اسماؤهم إلى مجرد سطور باهتة في كتب التاريخ ونقولها بكل صدق ويقين نحن الكنعانيون ستزول وتتحطم جميع العروش والاسماء والمسميات على اعتاب ومشارف غزة وسيبقى شعب غزة متجذرا في ارضه صامدا بثباته وجيناته الاصيلة وهو وحده بدمائه وتضحياته وصبره من سيختار من يمثله وهو من سيكتب السطر الاخير في مصيره بيده
اوقفوا الحرب اولا ... ثم اختلفوا وتصارعوا كما شئتم
اوقفوا الحرب أاولا ... ثم اختلفوا وتصارعوا كما شئتم
تاريخ النشر : 2026-06-11 14:35
