سلاح حماس خارج حسابات الحرب القادمة
تاريخ النشر : 2026-06-11 14:25

أكدت حرب غزة أن طبيعة المواجهة العسكرية تغيرت كلياً؛ فالقصة لم تعد ترتبط بحجم الذخائر أو بأعداد الصواريخ المخزنة في الأنفاق، بل بالقدرة على التحكم في تدفق المعلومات والاستخبارات. الفجوة الحقيقية تتبلور هنا، بين عتاد تقليدي تمتلكه الفصائل، ومنظومة عسكرية إسرائيلية مؤتمتة بالكامل وتُدار عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي.

هذا التفوق الرقمي تحركه بنية بحثية وعلمية مكثفة؛ إذ تسجل إسرائيل النسبة الأعلى عالمياً من العلماء والفنيين بواقع 140 متخصصاً لكل 10 آلاف موظف، متجاوزة دولاً صناعية كبرى كالولايات المتحدة واليابان. وتقف وراء هذا التطور عقول تحوّل الأبحاث الأكاديمية فوراً إلى أدوات تدميرية في الميدان، لتقليص الاعتماد على العنصر البشري إلى الحد الأدنى.

اليوم، يعتمد الجيش الإسرائيلي على برمجيات تعالج ملايين البيانات الاستخباراتية لتحديد الأهداف وتوجيه الضربات في ثوانٍ معدودة. وعلى خطوط المواجهة، أُسندت المهمة للمسيرات، والآليات ذاتية الحركة، ومنظومات الرصد التي تلاحق المقاتلين في الأزقة وتحت الأرض ببصمات الوجه والصوت.

في المقابل، ركزت حماس طوال سنوات على تطوير الصواريخ المحلية وحفر شبكات الأنفاق لفرض معادلة ردع. لكن التجربة الميدانية كشفت أن الكلفة الإنسانية والسياسية التي تكبدتها غزة تجاوزت أي مكسب عسكري؛ إذ لم ينجح هذا العتاد في تحصين المقاتلين، ولم يسعف القطاع في تجنب دمار غير مسبوق شمل المدنيين.

ومع أن هذا السلاح يحتفظ بوزنه الرمزي كعنوان للمقاومة وقدرة على إرباك الحسابات الإسرائيلية ــ وهو ما يدفع تل أبيب للتعامل معه كمعضلة أمنية وسياسية أمام مجتمعها ــ إلا أن القراءة الواقعية للمشهد تؤكد أن هذا الردع المعنوي عجز عن حماية الناس والمنشآت من دمار شامل التهم القطاع.

أما محادثات القاهرة الحالية بشأن نزع السلاح، فلا تتعدى كونها مناورات سياسية لتقطيع الوقت دون تقديم حلول ملموسة للقطاع؛ فالنازحون في الخيام، وسط ظروف معيشية قاسية، لا تعنيهم التفاصيل السياسية بقدر ما يهمهم وقف عاجل للنزيف اليومي.

الواقع يثبت أن ملف السلاح لم يعد مبرراً لتأخير التسوية، وحتى لو تمسكت الفصائل بسلاحها، فلن يغير ذلك شيئاً في ميزان القوى أمام ترسانة رقمية هائلة؛ فالسلاح الذي لم يرجح الكفة سابقاً لن يفعل ذلك في المستقبل.

إن رهن حياة الناس وعودة الاستقرار بشرط السلاح هو استنزاف مجاني للأرواح، يستغله الاحتلال لإطالة أمد الحرب، لإدراكه أن ما تبقى من عتاد الفصائل لم يعد يشكل خطراً استراتيجياً على أمنه في ظل هذا التفوق الكاسح. المخرج الوحيد الآن يتطلب شجاعة لتجاوز هذه العقبة، والذهاب نحو تفاهمات عملية تنهي الأزمة من خلال ترتيبات وطنية داخلية.

الجهد الحقيقي يجب أن ينصب اليوم على خطوات عملية تخفف من الكارثة المعيشية؛ وفي مقدمتها تمكين اللجنة الإدارية فوراً من إدارة شؤون القطاع، وبدء الإعمار, وتأمين تدفق الإمدادات بلا عوائق.

الأولوية العاجلة هي حماية الناس وتحصين غزة من جولة دمار جديدة، فالاستغراق في نقاشات حول سلاح سوف يتجاوزه الزمن ولن يحمي أحداً، بينما تفقد غزة كل يوم مزيداً من أرواح أبنائها.