تتسم مسيرة الشعب الفلسطيني عبر تاريخه الحديث بظاهرة وجودية فريدة، تكاد لا تشبهها أي تجربة إنسانية أخرى، وهي جدلية الفرح والحزن. هذه الجدلية ليست مجرد مشاعر عابرة يتناوب عليها البشر في سياق حياتهم الطبيعية، بل هي استراتيجية بقاء صلبة، وخط دفاع أخير في مواجهة محاولات الإفناء والكسر المستمرة منذ أكثر من مائة عام. فحين تشتد الحروب ويكون مبتغاها الموت والقتل، يبرز التحدي الفلسطيني الأكبر في كيفية مقاومة الفناء بصناعة الحياة. ولو استسلم الفلسطيني لحزنه، ووضع مأساته داخل جرة مغلقة وتوقف عندها، لكان قد اندثر وتلاشى أثره منذ عقود، وتكررت في التاريخ مأساة "الهنود الحمر"، لكن هذا الشعب الحيوي أدرك مبكراً أن المحتل لا يستهدف الأرض والجسد فحسب، بل يستهدف الروح والهوية ويسعى لسرقة الرواية والتراث، لذلك تحول التراث نفسه إلى سلاح؛ فالكوفية والثوب المطرز ليسا أزياء تقليدية، بل هما بيانات سياسية عابرة للقارات، والدبكة الفلسطينية ليست مجرد رقصة للفرح، بل هي ضرب بأقدام واثقة على الأرض لإثبات ملكيتها وملامستها، فالتمسك بالفنون والابتكارات لم يكن يوماً ترفاً، بل كان وقوداً للامتداد الثوري وتناقل الهوية عابرة للأجيال.
إن هذه الجدلية لا تحتاج إلى تنظير وفلسفة، بل هي معيشة تُرى بالعين المجردة في تفاصيل اليوم الفلسطيني المزدحم بالمتناقضات الحية. اليوم مثلاً، في مشهد سريالي متكرر، خرج المشيعون بجنازاتهم من مستشفى الشفاء وهم في حالة حزن وإحباط شديدين، وفي اللحظة ذاتها، تقاطعت معهم في الشارع سيارات صدحت بأهازيج تهتف للفرح بزفافٍ أو ولادة. مرّ هذا المشهد بجانب ذاك كالليل الذي يكور على النهار؛ فجرٌ تتبعه عتمة، وعتمة سيليها حتماً ضياء. لا أحد في هذا المجتمع يستنكر أو يستغرب هذه "الريلزات السريعة" والخاطفة التي تظهر في صلب الواقع اليومي قبل أن تطفو حتى على سطح الأخبار ووسائل الإعلام، وقبل أن تُوظف أو تُنمق سياسياً لصالح فئة ما. إنه واقع خام ومباشر، يثبت أن هذا الشعب لا يدفن تحت الركام، بل من أشلائه تنبت الأشجار، ومن رغبته العارمة في البقاء تُبعث الحياة ويُولد الأمل، تماماً كما تولد النساء الأطفال من رحم المعاناة.
لذلك، يستنكر البعض، بجهل أو بوقاحة، كيف يمكن للفلسطيني أن يضحك، أو يتزوج، أو يهتف، أو يغني في ظل الألم وركام البيوت، والجواب يكمن في طبيعة الإنسان ذاته؛ فالفلسطيني ليس كائناً خارقاً مصمماً من فولاذ، بل هو إنسان طبيعي بكامل أبعاده العاطفية، له جذوره، وارتباطه، وأحلامه، وآماله التي لا تزيد ولا تنقص عن أي شعب آخر في هذا العالم. وعندما تُسقط عليه المتناقضات عنوة، تخرج استجاباته بأشكال متناقضة أو متناغمة مع ظرفه القاسي للتغلب عليه، حيث تتكامل الدمعة والابتسامة، فليس المطلوب أن تتوقف الحياة عند فاجعة الفقد، ومن حق الفلسطيني أن يبكي مفقوده في الصباح، وأن يستقبل مولوداً جديداً بزغرودة في المساء. إن الفرح هنا يصبح فعلاً مقاومًا؛ فإقامة حفلات التخرج وسط الأنقاض، وتزيين المخيمات في أحلك الظروف، والتمسك بالحب والزواج، كلها أشكال من "المقاومة النفسية الناعمة"، وإعلان صارخ للمحتل: "أنت تملك أدوات الموت، ونحن نمتلك إرادة الحياة، وأحلامنا لن تؤجل".
وبسبب هذا الإصرار الأسطوري، لم يعد العالم ينظر إلى الفلسطيني كضحية سلبية مستسلمة تنتظر الشفقة أو المعونات، بل تحول الصمود الفلسطيني بابتكاراته وفنونه وأدبه إلى أيقونة عالمية تلهم الأحرار في كل عواصم الأرض، من كبرى الجامعات العالمية إلى الشوارع والميادين، لقد صار الفلسطيني اليوم قبلة للإنسانية، وقبلة لحب الحياة، وقبلة للإصرار، فكل من يريد اليوم أن يتعلم معنى الكرامة، أو يبحث عن نموذج حقيقي للنجاح والتمسك بالحق، يولي وجهه شطر فلسطين. إن المعركة الطويلة والمشوار الممتد يثبتان حقيقة واحدة: كل سبل إفناء هذا الشعب باءت وستبوء بالفشل، وطالما أن هناك شعباً يتقن صياغة الأمل من قلب المأساة، ويحول حزنه إلى طاقة إبداع وتحدٍ، فإن جذوره ستبقى ضاربة في عمق الأرض، وسيبقى الفرح الفلسطيني هو الرد
جدلية الفرح والحزن: بين رفض الموت وصُنْعِ الحياة
تاريخ النشر : 2026-06-07 11:29
