لقد آن الأوان أن نُدرك، بعد كل هذا الوجع، أن الشعوب لا تُبنى بالكراهية، ولا تنهض بالتخوين، ولا تُصان أوطانها بتوزيع صكوك الوطنية على المقاس، آن لنا أن نغادر مربع الاتهام، وأن نرتقي فوق جراحنا، وأن نفهم أن الاختلاف في الرأي لا يعني الخيانة، وأن تباين المواقف لا يُسقط الانتماء...
علاوة على ذلك كم أرهقنا هذا الوطن المنهك من صراعات لا تنتهي، وكم دفع شعبنا أثمانًا باهظة من دمه وأحلامه وأعصابه ولقمة عيشه، حيث شعبٌ أنهكته الحروب، وأتعبه الانقسام، وأوجعته الخلافات التي تسللت إلى تفاصيل حياته حتى بات الفلسطيني يخشى الفلسطيني أكثر مما يخشى عدوه أحيانًا...
لذلك إلى متى سنبقى أسرى لغة التخوين والإقصاء؟ إلى متى سنُربي أبناءنا على أن من لا يشبهنا عدو، ومن لا يصفق لنا خصم، ومن ينتقدنا متآمر؟ أي وطنٍ هذا الذي يضيق بأبنائه؟ وأي قضيةٍ هذه التي تُستهلك في معارك داخلية لا تُبقي ولا تذر؟
حيث إن الوطن أكبر من الجميع، وأكبر من الفصائل والأشخاص والمصالح الضيقة، الوطن ليس حلبة صراع لإثبات من هو الأكثر صراخًا أو الأكثر ولاءً، بل مساحة نجاة لشعبٍ يستحق أن يعيش بكرامة، وأن يحلم كما يحلم باقي البشر...
لقد تعب الناس… تعب الآباء من الانتظار، والأمهات من الخوف، والشباب من البطالة والقهر والغربة الداخلية، والأطفال من مشاهد الموت والحرمان، تعب جيلٌ كامل وهو يفتح عينيه على الأزمات ويغلقها على الخيبة، أليس من حق هذه الأجيال أن ترتاح؟ أليس من حقها أن ترى فجرًا مختلفًا، وواقعًا أقل قسوة، وحياةً فيها بعض الطمأنينة؟
لذلك إن نقل شعبنا إلى برّ الأمان يبدأ حين نعترف أن التنوع ليس تهديدًا، وأن الحوار ليس ضعفًا، وأن التسامح ليس استسلامًا، يبدأ حين نمدّ أيدينا لبعضنا البعض، لا لنلغي اختلافاتنا، بل لنحترمها، حين نؤمن أن قوة الوطن في وحدته، وأن الانتصار الحقيقي هو أن نُنقذ الإنسان قبل الشعارات...
لذلك فلنُطفئ نار الكراهية التي أكلت أعمارنا، ولنفتح بابًا جديدًا للأمل، فالوطن الذي قدّم كل هذه التضحيات يستحق منا قليلًا من الحكمة، وكثيرًا من الرحمة، ولتكن قاعدتنا من اليوم ليس كل من اختلف معي خائنًا أو عميلًا… فالوطن يتسع للجميع، والأوطان لا تُبنى إلا بأبنائها مهما اختلفوا...
لقد حان الوقت… لا لكي ينتصر طرف على طرف، بل لكي ينتصر الشعب على وجعه، وتنتصر الحياة على هذا التعب الطويل...
ليس كلُّ من اختلف معي خائنًا… وليس كلُّ من خالفني عميلًا...
تاريخ النشر : 2026-06-06 16:10
