لبنان يُباد، حزب الله يقف متعنتاً. الحسابات حزبية، الأجندات خارجية، والشعب وحده يدفع الثمن. الحرب تتوسع، الضاحية الجنوبية تحت الإنذار، ونعيم قاسم يرفض مسار التفاوض الذي يسلكه جوزاف عون، مطالبًا برحيل الحكومة. إيران تتفاوض على اتفاق يُنقذ مشروعها، وتُدرج لبنان فيه. غزة لا تختلف. الإبادة ذاتها، العدمية ذاتها، والشعارات للاستهلاك المحلي.
حماس ترفض "خارطة الطريق" التي أعدها ميلادينوف لمستقبل غزة ونزع السلاح، مختزلة القرار لحزبها، الشعب بالنسبة لها رقم، خسارته تكتيكية، ما يحركها سوى الأجندات الخارجية. فطوفان الأقصى لم يُنسَّق من فراغ؛ ورائه تمويل إيراني ودعم لوجستي وتوجيه استراتيجي وأيديولوجي، انتقامًا لمقتل سليماني كما صرح شريف رمضان. بعد تورط حماس لم تتدخل إيران للحفاظ على ذراعها بغزة، ولم تفكر حتى بإدراجها في الاتفاق المرتقب مثل لبنان.
المفارقة بينها وبين حزب الله، ساحة غزة بالنسبة لطهران لا تبدو أولوية، هي ساحة صراع فلسطينية — إسرائيلية، ناهيك عن ضعف حماس، وتدمير بنيتها التحتية المدنية والعسكرية. على عكس لبنان التي تعتبر ساحة مهمة لسببين: أولهما: إيران تعتبر حزب الله ركيزة استراتيجية لـ "محور المقاومة" وترسانتها الواسعة، فضلًا عن قوة العلاقة والنفوذ الواسع على الحدود بين إسرائيل والحزب. ثانيهما: النفوذ الإيراني القوي و الأكثر مباشرة في هذه الساحة. فمن وجهة نظر طهران غزة أصبحت ورقة محروقة، لا رجاء منها.
كل ما فرضته الإبادة من تحولات، لا تنازلات في مسألة السلاح؛ ما يزيد الأوضاع تعقيدًا في غزة، ويجعلها تؤول إلى الانفجار؛ لذا قررت إسرائيل احتلال 70% من القطاع وتوسيع العمليات الهجومية، تغتال فيها القيادات وتقتل المدنيين. التعنت الذي تُبديه حماس على موضوع مستقبل غزة ونزع السلاح، يعتبر خرقًا لاتفاقية وقف إطلاق النار.
اليوم غزة تموت ألف مرة، الوضع الإنساني يتفاقم. الرهان على الوقت وهمٌ؛ إسرائيل لا تنهك، الدعم الأمريكي يحصّنها، والفجوة بين الرأي العام الغربي وقراره السياسي واسعة لم تتحول يومًا إلى ضغط ملزم. الشرعية الدولية سقف زجاجي؛ الفيتو الأمريكي درع، والأمم المتحدة منذ 1945م لم تُصمَّم لكبح القوى الكبرى، بل لإدارة توازناتها.
مهما كان ثمن السلاح باهظًا، ليس أغلى من المواطن، فلا أرض بلا شعب. نحن لا نقاتل إسرائيل وحدها، وآلة الحرب الإسرائيلية لا تُقارن. المخرج الوحيد هو التنازل وقبول ترتيب داخلي، بدلًا من إبادة مفتوحة لا أفقٍ لها.
حماس تراهن وغزة تباد
تاريخ النشر : 2026-06-06 13:19
