لقاءات القاهرة وخيارات الأمر الواقع
تاريخ النشر : 2026-06-06 13:17

تأتي لقاءات القاهرة المرتقبة في ظرف ميداني بالغ التعقيد؛ فالهدف المباشر والسريع هو إنقاذ التهدئة، ومنع تدحرج قطاع غزة مجدداً إلى مربع القصف والقتل اليومي، خاصة بعد كلام بنيامين نتنياهو الواضح عن خطته لفرض السيطرة العسكرية على 70% من أراضي القطاع، وتمسكه بالاستمرار في الحرب لفرض شروطه.

لكن التدقيق في كواليس هذه اللقاءات يظهر أنها تتجاوز مجرد الترتيبات الأمنية والإنسانية، لتتحول إلى محطة متقدمة من التنافس على شرعية التمثيل ومن سيقود المرحلة المقبلة في غزة؛ وهذا تحديداً ما يفسر غياب أو استبعاد قيادة السلطة الفلسطينية وحركة فتح (رام الله) عن هذه الطاولة.

هذا الاستبعاد ليس مجرد صدى للخلافات الفصائلية المعتادة، بل هو ترجمة عملية للموقف الإسرائيلي الرافض لمنح السلطة أو حركة فتح أي دور إداري أو أمني في مستقبل غزة.

كما جاء من قبل القوى الإقليمية والدولية باختيار الرضوخ للفيتو الإسرائيلي، وتمرير صيغ بديلة تحت غطاء الوضع الإنساني، تؤدي في نهاية المطاف إلى تصفية القضية الفلسطينية.

وعلى الرغم من مماطلة الاحتلال في تنفيذ التزامات اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن هناك أيضاً تأخراً من قبل حركة حماس في التعامل بمرونة لتجنب مزيد من الدماء، وهنا أتحدث عن مسألة نزع السلاح وعمل اللجنة الإدارية. وهذا التأخير ليس خوفاً من التنازل عن شيء كما تظهره حماس، بل لضمان دور لها في غزة بعد تنفيذ بنود الاتفاق، وإن كان بعيداً عن منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية.

علاوة على ذلك، فإن طبيعة الخارطة المشاركة في اللقاءات —والتي تجمع فصائل المقاومة على الأرض بالتيار الإصلاحي الديمقراطي لحركة فتح— تعكس أبعاد هذا الإقصاء وحجم الترتيبات الجارية؛ حيث تتداخل حاجة فصائل الميدان الملحّة لإيجاد غطاء يضمن لها استمرار الوجود بأي صورة في غزة مستفيدة من العلاقات الخارجية للتيار، مع رغبة التيار في حجز موطئ قدم سياسي وإداري يعزز ثقله في موازين القوى، مما يفرض واقعاً سياسياً جديداً، ومحاولة لإعادة هندسة النفوذ وسحب البساط من تحت الدور التقليدي للسلطة في القطاع.

وفي هذا السياق، يدرك الوسطاء جيداً أن تجاوز الفصائل الفاعلة في الميدان يجعل تطبيق أي اتفاق على الأرض أمراً مستحيلاً، لكنهم يعون في الوقت ذاته أن استبعاد السلطة الرسمية والتماشي مع الشروط الإسرائيلية سيحرمان القطاع من المظلة الدولية وأموال إعادة الإعمار الحيوية.

ومع ذلك، وجد الوسطاء أنفسهم مضطرين للتعامل مع هذه المعطيات لتجنب انسداد أفق الحوار، ليتحول استبعاد السلطة —ولو بشكل مؤقت— إلى ممر إجباري لتمرير التفاهمات، بدلاً من أن تكون شريكاً رئيسياً فيها. وجاءت هندسة اللقاءات على هذا النحو لفرض ترتيبات مؤقتة تلائم السقف الإسرائيلي، مما جرّد القرارات المصيرية المتعلقة بمستقبل غزة من الغطاء الرسمي لمنظمة التحرير.

هذه الصيغة، وإن كانت تقدم مخرجاً مؤقتاً لوقف الانهيار المعيشي ووقف المجازر اليومية، إلا أنها تنطوي على مخاطر حقيقية؛ كونها تفتح الباب لتثبيت الانقسام وفصل غزة جغرافياً وسياسياً عن الضفة الغربية، وهو الهدف الاستراتيجي الذي يطمح إليه الاحتلال عبر استغلال تشتت الموقف الفلسطيني وغياب مؤسساته الجامعة.

أمام هذا المشهد، يتلخص الواجب الوطني للفصائل المشاركة في القاهرة في جعل أي ترتيبات إدارية أو أمنية أو إنسانية ترتبط ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بمظلة منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد. فمهما بلغت حدة التباينات الفصائلية، يجب أن تُدار وتُصهر تحت سقف المنظمة لحماية وحدة القرار.

ومن هنا، أعتقد أن التمسك بـمنظمة التحرير الفلسطينية ليس كخيار سياسي خاضع للمساومة، بل كبديهية وطنية وقانونية لا يمكن القفز عنها؛ فالمنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للكل الفلسطيني، وهي الكيان الذي يحمل الاعتراف الدولي والأممي الواسع بدولة فلسطين المعترف بها في الجمعية العامة للأمم المتحدة وعواصم العالم.

بناءً على هذا الثبات القانوني والدبلوماسي، فإن أي ترتيبات يُهندِسُها مجلس السلام أو تتساوق معها بعض الأطراف الإقليمية والمحلية تهدف إلى إقصاء هذا التمثيل، هي ترتيبات ولدت ميتة ولا مكان لها في الخارطة السياسية؛ إذ لا يمكن لأي لجنة إدارية أو سلطة واقعية أن تكتسب شرعية البقاء والاستمرار، أو تجلب الاعتراف والتمويل الدوليين، وهي تحاول العيش خارج جسد الشرعية الفلسطينية الجامعة.

وفي الوقت ذاته، يحمل هذا الواقع جرس إنذار حاد لقيادة منظمة التحرير وللفصائل معاً؛ فاستمرار العجز عن بلورة رؤية وطنية موحدة، والاستسلام لسياسات الإقصاء والابتزاز الخارجي، يهددان بتفتيت القرار الوطني وتآكل الكيان التمثيلي الجامع للفلسطينيين، مما يمنح إسرائيل فرصة ذهبية للاستفراد بمستقبل القضية وصياغتها بما يخدم مصالحها وحدها.