السياق الزمني: الطريق إلى انتخابات 2026
منذ أكتوبر 2023، مرت حركة حماس بمحطات مفصلية ألقت بظلالها على بنيتها القيادية. فمع اندلاع الحرب على غزة، ثم اغتيال إسماعيل هنية في طهران (يوليو 2024)، ولاحقاً اغتيال يحيى السنوار في رفح (أكتوبر 2024)، واجهت الحركة تحديات تنظيمية دفعتها إلى تفعيل إطار قيادي مؤقت لإدارة شؤونها. وجرت محاولتان انتخابيتان في يناير وفبراير 2025، إلا أنهما لم تؤديا إلى استكمال عملية اختيار رئيس جديد للمكتب السياسي. ومع بداية عام 2026، اكتملت الهياكل القيادية للحركة، بما في ذلك المكتب السياسي ومجلس الشورى، لتدخل مرحلة جديدة من المشاورات والتصويت لاختيار القيادة العليا.
المقدمة
بين تقارير تحدثت عن قرب حسم المنافسة، وتصريحات رسمية تنفي ذلك، وبين تطورات ميدانية وسياسية متسارعة، لا تزال حركة حماس تبحث عن قائدها في واحدة من أكثر المراحل إرباكاً لبنيتها القيادية منذ اغتيال المؤسسين. فبعد نحو عامين من الحرب، ومع استمرار التحديات الأمنية والسياسية، أظهرت جولة التصويت الأولى مؤشرات على عدم وجود توافق كامل حول المرشحين المطروحين، فيما تواصل لجنة قيادية مؤقتة إدارة شؤون الحركة إلى حين استكمال عملية الاختيار.
المقطع الأول: ثلاث روايات متداولة
في الأسابيع الأخيرة، تداولت وسائل إعلام ومصادر مختلفة روايات متباينة حول مسار انتخابات رئاسة المكتب السياسي لحماس:
الرواية الأولى (صحيفة الشرق الأوسط): تحدثت عن اقتراب حسم المنافسة خلال فترة وجيزة، مع تداول أسماء من بينها خليل الحية وخالد مشعل، وترجيحات غير رسمية حول موازين الدعم داخل الحركة.
الرواية الثانية (الجزيرة نت ومصادر ميدانية): أشارت إلى ظهور أوراق بيضاء خلال جولة التصويت الأولى في مجلس الشورى، ما استدعى الانتقال إلى جولات أو مشاورات إضافية، مع استمرار لجنة قيادية مؤقتة تضم محمد درويش وخالد مشعل وخليل الحية ونزار عوض الله وزاهر جبارين في إدارة شؤون الحركة.
الرواية الثالثة (تصريحات طاهر النونو): نفت وجود حسم نهائي للرئاسة، مؤكدة أن آلية الاختيار تتم عبر مؤسسات الحركة الشورية، وأن دائرة المرشحين المحتملين لا تقتصر على أسماء محددة يجري تداولها إعلامياً.
المقطع الثاني: ماذا نعرف على وجه اليقين؟
برغم الضبابية المحيطة بالتفاصيل، يمكن الإشارة إلى عدد من المعطيات التي تكررت في التصريحات والتقارير المختلفة:
استكمال الهياكل القيادية للحركة، بما في ذلك المكتب السياسي العام ومجلس الشورى.
إجراء جولة أولى من التصويت لاختيار رئيس المكتب السياسي دون التوصل إلى حسم نهائي.
استمرار اللجنة القيادية المؤقتة في إدارة شؤون الحركة خلال المرحلة الانتقالية.
وجود تحديات أمنية وميدانية مرتبطة بالحرب المستمرة، تؤثر على آليات التواصل والاجتماعات بين القيادات في مختلف الساحات.
المقطع الثالث: لماذا التأخير؟ (تحليل)
لا يبدو تأخر اختيار رئيس جديد لحماس مرتبطاً بالعوامل الإجرائية وحدها، بل قد يعكس مجموعة من الاعتبارات التنظيمية والسياسية المتداخلة وباختصار يبدو أن حماس تختار اليوم ليس فقط شخصاً بل استراتيجية. تشير بعض التقديرات إلى وجود تباين في الأولويات داخل الحركة بين قيادات ترى أن المرحلة الحالية تتطلب التركيز على البعد الميداني وإدارة تداعيات الحرب، وأخرى تعطي أهمية أكبر للبعد السياسي والدبلوماسي وإدارة العلاقات الإقليمية والدولية. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود انقسام تنظيمي واضح، بقدر ما يعكس اختلافاً في تقدير متطلبات المرحلة المقبلة. كما أن الحركة تتابع تطورات المشهد السياسي والعسكري المرتبط بالحرب على غزة والمفاوضات الجارية، وهو ما قد يؤثر على طبيعة القيادة المطلوبة في المرحلة القادمة.
ومن جهة أخرى، قد يكون الحرص على تحقيق أكبر قدر ممكن من التوافق الداخلي عاملاً مهماً في إطالة أمد المشاورات، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها الحركة.
المقطع الرابع: الانتخابات الداخلية في سياق حرب ومفاوضات
ولا يمكن فهم تأخر اختيار الرئيس الجديد بمعزل عن البيئة السياسية والعسكرية المحيطة بالحركة. فملف القيادة يتقاطع مع قضايا أكبر تتعلق بمستقبل الحرب، والمفاوضات الجارية، وشكل المرحلة المقبلة في قطاع غزة. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات عدد من قيادات الحركة لتؤكد أن الملفات المطروحة لا تقتصر على القضايا التنظيمية الداخلية، بل تشمل قضايا سياسية واستراتيجية أوسع تتعلق بمستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ومن هذا المنطلق، فإن اختيار رئيس جديد للمكتب السياسي لا يتعلق فقط بإدارة شؤون الحركة، بل أيضاً بقدرة القيادة المقبلة على التعامل مع ملفات معقدة تشمل العلاقات الإقليمية، ومسار المفاوضات، وإدارة التحديات الناجمة عن الحرب. لذلك تشير تقديرات بعض المراقبين أن التأخير قد يكون مرتبطاً بالسعي إلى مواءمة خيارات القيادة مع طبيعة المرحلة المقبلة، أكثر من كونه مجرد تأخير إجرائي في عملية الانتخاب.
سيناريوهات محتملة
في ظل استمرار اللجنة القيادية المؤقتة في إدارة شؤون الحركة، تبقى السيناريوهات التالية واردة:
السيناريو الأول: انتخاب سريع ومفاجئ؛ قد تنجح المشاورات الجارية في حسم الخيار خلال أيام أو أسابيع، خصوصاً إذا تشكل توافق حول شخصية قيادية قادرة على جمع المكونات المختلفة. وهو سيناريو يبدو أقل ترجيحاً في ظل التعقيدات الحالية، لكنه غير مستبعد تماماً.
السيناريو الثاني: استمرار اللجنة الخماسية؛ قد تمتد المرحلة الانتقالية لأشهر إضافية، مع بقاء اللجنة المؤقتة (درويش، مشعل، الحية، عوض الله، جبارين) هي السلة التي توضع فيها القرارات المصيرية، إلى أن تتهيأ الظروف الأمنية أو السياسية المناسبة للحسم.
السيناريو الثالث: حل توافقي بتوزيع المناصب؛ وهو الأكثر تداولاً في تقديرات بعض المراقبين، حيث يتم الاتفاق على صيغة لا تمنح الرئاسة لشخص واحد فقط، بل تتوزع فيها الأدوار: رئيس للمكتب السياسي يتولى التمثيل الخارجي والدبلوماسية، ونائب أو مسؤول لملف غزة يتولى إدارة الميدان وإعادة الإعمار. وهذا السيناريو قد يضمن تمثيل جميع الأجنحة ويقلل من فرص الاحتقان الداخلي.
كل هذه السيناريوهات تظل احتمالية إلى حين الإعلان الرسمي من مؤسسات الحركة، وأي منها قد يتحقق سيعكس – بدرجات متفاوتة– طبيعة التوازنات الداخلية في حماس ورؤيتها للمرحلة القادمة.
الخاتمة
تكشف التطورات الأخيرة أن عملية اختيار رئيس جديد لحماس تجري في ظروف استثنائية تجمع بين الحرب والتحديات التنظيمية والاستحقاقات السياسية. كما أن ظهور الأوراق البيضاء في جولة التصويت الأولى فُسر من قبل بعض المتابعين باعتباره مؤشراً على عدم وجود توافق كامل حول المرشحين المطروحين، أو تعبيراً عن الرغبة في منح المشاورات مزيداً من الوقت. لكن ما يجري في حماس لا يقتصر على مجرد تأخير إجرائي. فالحركة، التي فقدت أكثر من قائد في عامين، تختبر اليوم قدرتها على إدارة انتقال قيادي في أصعب الظروف. والطريقة التي ستحسم بها هذه الانتخابات ستكون رسالة – أولاً وقبل كل شيء– إلى الداخل الفلسطيني وإلى الأطراف الإقليمية والدولية: هل ما زالت حماس قادرة على تجاوز خلافاتها واتخاذ قراراتها بنفسها؟ يبقى السؤال مفتوحاً على جميع الاحتمالات. والأيام –أو الأشهر– القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.
