أميركا بين راية الحرية ودماء الأبرياء: صراع الضمير الإمبريالي
تاريخ النشر : 2026-06-03 15:47

-سيظل التاريخ يكتب بأحرف من نور ودم: لا خلاص للإنسانية ما دامت إمبراطورية تظن أن الأرض للقوي،والسماء للجبار،والضمير للضعفاء وحدهم.! ( الكاتب)

 

عندما ننظر إلى المشهد الدولي اليوم،نقف مذهولين أمام تناقض صارخ يعصف بالوجدان: أمة ترفع راية الحرية والديمقراطية بيد،وتمارس أشد أنواع القمع والهيمنة باليد الأخرى.إنها أمريكا التي تحولت من حلم التنوير إلى كابوس الاستبداد العالمي،ومن منارة للآمال إلى رمز للجبروت المتوحش.!

إن السياسة الخارجية الأميركية في عهد الإدارة-الترامبية-الجديدة تجسد حالة من التوافق بين نزوعها الأيديولوجي المتعصب وشخصيتها العدائية داخليا،وبين سلوك إدارتها على الساحة الدولية

تتجلى أعراض هذا الجنون في كل زاوية من زوايا السياسة الخارجية الأمريكية:قواعد عسكرية تنتشر كالفطر في أراضي العالم،وحروب لا تنتهي تفتك بالأبرياء تحت شعارات براقة كالحرية وحقوق الإنسان.إنها إمبراطورية فقدت بوصلتها الأخلاقية،وأصبحت ترى في الشعوب مجرد قطع شطرنج في لعبة مصالحها الاستراتيجية.!

وما أشد المفارقة حين تدعي واشنطن أنها تحارب الإرهاب،بينما تزرع بذوره في كل بقعة تطأها قواتها.

إن انفصام الشخصية السياسية هنا ليس مجرد اضطراب عابر،بل أصبح مرضا عضويا في جسد النظام السياسي الأمريكي.

في فيتنام،لم يكن التدخل الأمريكي مجرد حرب، بل كان مجزرة ممنهجة بحق شعب أعزل.فبعد هزيمة الفرنسيين،بدأ التدخل الأمريكي بشكل تدريجي ومدروس،ليتحول إلى واحدة من أفظع الصفحات في التاريخ الحديث.لقد أودت الحرب بحياة ما يقدر بنحو 3 ملايين فيتنامي،بينهم ما بين 30,000 إلى 65,000 مدني لقوا حتفهم نتيجة القصف الأمريكي المكثف.أما الخسائر الأمريكية فبلغت 58,220 قتيلا،لكن الثمن الحقيقي كان يتمثل في تدمير بلد بأكمله وتشويه جيل كامل بسموم "الأورانج" الكيميائي.!

 لقد ولدت من رحم هذه الكارثة "متلازمة فيتنام"، ذلك النفور العام للتدخلات العسكرية الأمريكية في الخارج بعد الجدل المحلي حول الحرب،وهو ما عبر عن صدمة الضمير الأمريكي الذي أيقظته تلك الحرب لفترة وجيزة.

ولم تتعلم أمريكا من دروس فيتنام،بل مضت في مسلسل الهيمنة بكل جرأة.ففي العراق،وفي عام 2003،شنت الولايات المتحدة غزوها مستندة إلى حجج كاذبة.لقد تسببت الحرب في مقتل مئات الآلاف من المدنيين،واستخدمت فيها ذخائر عنقودية أودت بحياة 19 مدنيا وأصابت 515 آخرين في مدينة الحلة وحدها خلال 20 يوما. وكانت بداية دموية لحركة تمرد وسنوات من الحرب الأهلية.لقد تحولت بغداد إلى ساحة لصراعات طائفية دموية،وانهارت بنيتها التحتية، وتفكك نسيجها الاجتماعي،كل ذلك بحجة أوهام "الدمار الشامل".!

ولم تقتصر الجرائم على الحروب المباشرة،بل شملت التدخلات الخفية.ففي عام 1953،دبرت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) وجهاز الاستخبارات البريطاني (MI6) انقلابا أطاح برئيس الوزراء الإيراني المنتخب ديمقراطيا، محمد مصدق.وكان الهدف الأساسي هو حماية مصالح النفط البريطانية بعد أن شرع مصدق في تأميم الصناعة النفطية.تلك الجريمة هي التي أرست أساس النظام الملكي المستبد الذي قاد إيران لعقود من القمع،ثم إلى الثورة التي تلت ذلك،لتتحول العلاقة بين البلدين إلى عداء مستعر حتى يومنا هذا.

واليوم،تتواصل هذه السياسات بصور حديثة،كما في فنزويلا،حيث قام الطيران الحربي الأمريكي في صباح يوم 3 يناير/ جانفي 2026 بتنفيذ غارات جوية على العاصمة كراكاس،في عملية وصفتها واشنطن بـ"عملية العزم المطلق".وسبقت ذلك حملة من العقوبات القاسية،أعلنت فيها واشنطن "حصارا شاملا" على الناقلات المتجهة إلى فنزويلا،وهو ما اعتبرته الحكومة الفنزويلية "سرقة سافرة".وانتهت العملية بإختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو..!

لقد خلفت هذه السياسات إرثا لا يمحى من الدماء. فحتى وقت قريب،تشير التقديرات إلى أن أكثر من 940,000 شخص لقوا حتفهم بسبب العنف المباشر للحروب الأمريكية في العراق وأفغانستان وسوريا واليمن وباكستان بين عامي 2001 و2023،من بينهم أكثر من 432,000 مدني.وعند إضافة الوفيات غير المباشرة جراء تدمير الاقتصادات والبنى التحتية،يرتفع العدد الإجمالي إلى ما لا يقل عن 4.5 إلى 4.7 مليون شخص.!

هذا الرقم الصادم لا يشمل المعاناة الإنسانية الهائلة،وتشريد ملايين البشر،وتدمير مجتمعات بأكملها.

لكن الأشد فداحة والأكثر إيلاما هو انهيار الضمير الذي رافق هذا الصعود الإمبريالي.فكيف يمكن لدولة أن تبرر قصف المستشفيات والمدارس بحجة "أخطاء استخباراتية"؟ كيف تسكت المؤسسات الإعلامية والأكاديمية والثقافية أمام مشاهد الأطفال الأشلاء والعائلات المدمَّرة؟! إن انهيار الضمير الأمريكي ليس مجرد سقوط فردي، بل أزمة حضارة بكاملها. فحين يصبح النفط أكثر قيمة من الدماء، وحين تتحول حقوق الإنسان إلى أداة ابتزاز سياسي،وحين يسكت المثقفون والنخب عن فظائع ترتكب بأسمائهم،فعندئذٍ يموت الضمير ويحل محله الفراغ الأخلاقي المخيف.!

إننا أمام أمة ترزح تحت وطأة أوهامها العظمية، تائهة بين دورها كشرطي العالم ومسؤولياتها تجاه الإنسانية.ولا يمكن لأي ترسانة عسكرية،ولا لأي قوة اقتصادية أن تشفي هذا الانفصام المدمر بين المبادئ المعلنة والأفعال المشينة.وما نشهده اليوم في واشنطن هو أكثر من مجرد نقاش سياسي،إنه صراع ثقافي عميق حول هوية أميركا ودورها في العالم.

وربما يأتي يوم يسأل فيه التاريخ أمريكا: بأي عين تنظرين إلى مرآة ضميرك وقد تحطمت؟! بأي لسان تنطقين بالحرية ويداك ملطختان بدماء الأبرياء؟! إن جنون العظمة الإمبريالي ليس مجرد خطأ في التقدير،بل هو مرض روحي عميق،وانهيار الضمير ليس ضعفا عابرا،بل موت للجوهر الإنساني الذي تميز به الإنسان.

ستبقى أمريكا تحمل هذا التناقض داخلها، متصارعة بين قوتها المادية وفقرها الروحي،إلى أن تدرك حقيقة واحدة بسيطة ولكنها مدمرة لعظمتها المزعومة: أن الأمم لا تبنى على جماجم الشعوب،وأن العظمة الحقيقية لا تتحقق بقصف الآخرين،بل ببناء جسور الكرامة والعدالة بين جميع بني البشر.وأمريكا اليوم في سباق مع نفسها: إما أن تعيد اكتشاف ضميرها المدفون تحت أنقاض أوهامها الإمبريالية،أو أن تنتهي كما انتهت كل الإمبراطوريات التي راهنت على القوة وجنحت عن المعنى الحقيقي للإنسانية.

 لقد أظهرت عقود من التدخلات السافرة من فيتنام إلى فنزويلا،ومن العراق إلى إيران،أن القوة العسكرية والسياسية دون ضمير هي وصفة أكيدة للدمار والكراهية،وأن الطريق الوحيد لتجنب مصير تلك الإمبراطوريات البائدة يمر حتما عبر مراجعة شاملة لجوهر السياسة الأمريكية وإعادة الاعتبار للإنسانية التي طالما انتهكت باسمها.!

وهكذا تقف البشرية اليوم شاهدة على أفظع تناقضات العصر: أمة تخطب بالحرية في قاعات الأمم،وتزرع الموت في أراضي الضعفاء.!

 إن الإمبراطوريات لا تسقط بقنابل الأعداء،بل بفقدانها جوهرها الإنساني،وحين يصبح الضمير مجرد كلمة في قاموس السياسة،فلا قيمة لقوة تغتال الروح قبل أن تغتال الجسد.!

و يبقى السؤال المعلق في عنق الزمن: هل تفيق أميركا من غيبوبة العظمة المزيفة قبل أن تدفع ثمن جنونها كل الشعوب،أم أنها ستظل أسيرة حلمها الدموي حتى النهاية؟!

وفي كل الأحوال،سيظل التاريخ يكتب بأحرف من نور ودم: لا خلاص للإنسانية ما دامت إمبراطورية تظن أن الأرض للقوي،والسماء للجبار،والضمير للضعفاء وحدهم.!