حين يُعلن البعض “النصر الكبير” في غزة، لا يسعني إلا أن أتوقف طويلًا أمام السؤال: أي نصر نتحدث عنه؟ ومن أي مسافة نراه؟ ومن أي ذاكرة نقيسه؟
ليس من السهل الحديث عن النصر والهزيمة في الوجدان العربي... فالهزيمة، في مخيالنا الجمعي، ليست حدثًا سياسيًا، بل وصمة وجودية... لذلك نخشى الاعتراف بها، ونلجأ إلى تجميلها بالكلمات، وتغليفها بالشعارات، وتحويلها إلى “صمود”، ثم إلى “نصر رمزي”، ثم إلى “إنجاز تاريخي”. كأن اللغة صارت وسيلتنا الوحيدة للهروب من الحقيقة، لا لمواجهتها.
لكنني أرفض أن يُقاس النصر من مسافة الأمان. أرفض أن يُعرَّف النصر من خارج غزة، ممن لم يعش لحظة واحدة من ثقل الحصار، أو طعم النزوح، أو هندسة الخوف اليومية. فالنصر ليس خطابًا يُلقى من استوديوهات بعيدة، بل تجربة تُعاش في البيوت التي لم تعد بيوتًا، وفي الشوارع التي تحولت إلى ذاكرة من الركام.
دعونا نسأل ببساطة، بعيدًا عن البلاغة:
هل النصر هو أن تسيطر إسرائيل على نحو 58% من مساحة غزة؟
هل النصر أن يُمنع أكثر من مليون نازح من العودة إلى حطام بيوتهم في “المنطقة الصفراء”؟
هل النصر أن يُعاد تشكيل غزة بوجه دولي–أمريكي، يُنظر إليها بوصفها عقارًا قابلًا للاستثمار، لا ساحة صراع تحرري؟
هل النصر أن يتحول الحق في تقرير المصير إلى بند في تقارير المانحين، وأن تُختزل القضية الوطنية في “حل إنساني مستدام”؟
هل النصر أن يُساوَم الناس على حقوقهم، فتُستبدل الحرية بخدمات مشروطة، ويُقايض الكرامة بالبقاء؟
أين ملامح النصر في حياة الخيام؟
أين ملامحه في حلم الكرافانات المؤجلة؟
أين ملامحه ونحن نتحول إلى حطّابين وسقاة في معركة البقاء، بلا تعليم، بلا صحة، بلا مأوى، وبلا علاقات اجتماعية طبيعية؟
أي نصر هذا الذي لا يظهر في حياة الناس، بل فقط في البيانات والخطب؟
ثم جاء من يقترح الحل السحري: “على الفصائل أن تجلس معًا لمواجهة المخططات الإسرائيلية”. ضحكت، ليس سخرية من الفكرة، بل من الزمن.
ثمانية عشر عامًا والفصائل تجلس في كل عواصم العالم: القاهرة، الدوحة، موسكو، الجزائر، بيروت… ولم يتغيّر شيء.
المشكلة ليست في الجلوس، بل في ما يحدث بعد الجلوس.
نريد أن نُحدث فرقًا في حياتنا، ونحن نُعيد إنتاج الأخطاء نفسها، بالأدوات نفسها، وبالأشخاص أنفسهم، وبالعقلية نفسها.
أي عبث هذا؟
وأي غباء سياسي يجعلنا نعتقد أن الواقع سيتغير، بينما نحن نصرّ على إعادة تدوير الفشل وتسميته “واقعية سياسية”؟
ربما المشكلة ليست في تعريف النصر فقط، بل في شجاعتنا على الاعتراف بأننا لم نعد نملك أدواته. فالنصر، حين ينفصل عن حياة الناس، يتحول إلى خطاب دعائي. والهزيمة، حين نخشى تسميتها، تتحول إلى قدر طويل لا نعترف به، لكننا نعيش تفاصيله كل يوم.
في غزة، النصر لا يُقاس بما يُقال عنها، بل بما بقي من الإنسان فيها. وكل تعريف للنصر لا يمرّ عبر حياة الناس، وكرامتهم، وقدرتهم على البقاء أحرارًا، ليس إلا شكلًا آخر من أشكال الهروب من الحقيقة.
إنها صرخة في وجوه أولئك الذين يقرأون التاريخ من بعد، ويصوغون الانتصارات كما لو أن غزة مجرد خريطة، لا مجتمع يئن تحت الضيم. وهنا تكمن المأساة: النصر الذي يُصنع في البيانات الإعلامية، والهزيمة التي تُعاش في الخيام.
