وسط المكابرة الاستراتيجية.. غزة تغرق في العتمة

تابعنا على:   14:58 2026-06-30

فايز خالد فايز فارس

أمد/ بعد سنتين ونصف من "طوفان السنوار"، غزة لا تزال تسكن وسط الركام. مساحتها تتآكل يوماً بعد يوم، واقتصادها ينهار معها في ظل وقف إطلاق النار الهش. المعادلة لم تتغير، الموت روتين الغزّي حتى في أيام الهدنة. حماس تتفاوض كمن انتصر، والمواطن من يدفع فاتورة انتصار لم يره ولم يذقه.

في قصة مفعمة بالدلالات؛ عام 1941م لم يكن أمام اليابان من خيار سوى الهجوم على ميناء بيرل هاربر ضربةً وقائية، تُبعد فيها الأسطول الأمريكي عن المحيط الهادئ. أجبر ذلك أمريكا على الدخول في الحرب العالمية الثانية إلى جانب الحلفاء. في الهجمة الثالثة قررت اليابان الانسحاب؛ حفاظاً على ما تبقى من قوتها، في مواجهة تطور المضادات الأمريكية وضبابية موقع حاملات الطائرات.

لم تكتفِ اليابان بذلك؛ خاضت معركة ميدواي، لكن بافتراضات خاطئة عن ردّ الفعل الأمريكي. عرف الأمريكيون الزمان والمكان بفضل فكّ الشفرات، فهُزمت اليابان رغم شراستها. من هنا انطلقت الولايات المتحدة باستراتيجية "القفز بين الجزر"، تقطع الخطوط اللوجستية وتضيّق الخناق. كانت معركة أوكيناوا عام 1945م آخر المحطات، حيث سُحق الجيش الإمبراطوري وهُزم.

رغم الخسائر الفادحة، لم تكن اليابان تفكر في الاستسلام. أصدر الحلفاء "إنذار بوتسدام"، فتعنّتت. فكان القرار الأمريكي بإلقاء قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناغازاكي، أجبراها على الاستسلام دون شروط.

النمط ذاته تكرر مع إيران؛ جنت على نفسها ببرنامجها النووي ونفوذها الإقليمي الممتد من اليمن إلى بلاد الشام. شلّت أمريكا أركانها باغتيال نخبة من قياداتها. وبعد عام من القصف المتواصل على مرافقها الحيوية وحصار مُحكم، انتهى الأمر بتوقيع إيران مذكرة التفاهم مع أمريكا، واستقرار نسبي في المنطقة.

التاريخ مدرسة لمن يريد التعلم. لكن حماس لم تقرأ في هذه المدرسة. من الصعب فهم عقليتها؛ تعيش براغماتية متناقضة، والتعنت عندها سياسة تكسب بها الوقت للبقاء في السلطة وجني مكاسبها.

لا وقت للشعارات والتصريحات الرنانة. المستقبل ضبابي، خطوات الانفراجة بعيدة، الأزمة المعيشية تتفاقم. مساحة غزة تتآكل بين الفينة والأخرى، والخيار بات بين الاحتلال الكامل أو إبقاء 20% من مساحة القطاع. غزة كباقي الشعوب تحب الحياة لا الموت، وتنتظر يوم "الخلاص الأكبر".

الجهاد ليس الهلاك دون تدبّر؛ له أركان وشروط ومقاصد. وإن اختلّ بعضها أو كلها، تحوّل من فرض كفاية إلى مانع. وسط هذه اللوحة بشمسها الباهتة المثقلة بالمأساة والقلق، لا يكمن الحل في "المكابرة الاستراتيجية" والحسابات الحزبية الضيقة. لا شعب بلا وطن، وآلة الحرب الصهيونية لا تُقارن، ونحن لا نقاتل إسرائيل وحدها. لذا لا بد من تنازلات حقيقية على أرض الواقع، لانتشال الغزّي من العتمة، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

اخر الأخبار