أرامل غزة.. نساء فقدن السند

تابعنا على:   18:27 2026-06-24

آمنة الدبش

أمد/ في غزة لم تقتصر آثار الحرب على الشهداء والجرحى والدمار الذي طال الحجر بل امتدت لتترك جرحاً عميقاً في حياة آلاف النساء اللواتي فقدن أزواجهن وأصبحن يتحملن وحدهن أعباء الأسرة ومسؤوليات الحياة بأكملها في ظروف إنسانية واقتصادية بالغة القسوة ، فخلف كل رقم من أرقام الأرامل حكاية موجعة أمٌّ فقدت شريك حياتها وسندها وأطفال حُرموا من معيلهم ومصدر أمانهم ومستقبل بات محفوفاً بالتحديات والمخاوف.

▪︎ إحصائيات صادمة
تشير الإحصائيات الصادرة عن وزارة التنمية الاجتماعية في قطاع غزة إلى ارتفاع عدد الأرامل خلال فترة الحرب إلى 28,224 أرملة مقارنة بـ22,596 قبل الحرب، ما يعكس حجم الخسائر الاجتماعية والإنسانية التي خلفتها الحرب على النسيج الأسري الفلسطيني هذه الأرقام لا تعني فقط فقدان الأزواج بل تعني أيضاً آلاف الأسر التي أصبحت تقودها نساء يواجهن تحديات الحياة بمفردهن وسط النزوح والفقر وانعدام الاستقرار.

وتظهر الإحصائيات أن محافظة غزة تضم النسبة الأكبر من الأرامل بواقع 40.8% بينما تبلغ النسبة في شمال غزة 22.5% وهي المناطق التي شهدت دماراً واسعاً وخسائر بشرية كبيرة  ، الأمر الذي زاد من هشاشة أوضاع الأسر التي فقدت معيلها.

ولعل الجانب الأكثر إيلاماً هو أن 16,877 أرملة بحاجة إلى برامج تمكين اقتصادي وفرص عمل وهو ما يسلط الضوء على الحاجة الملحة لتوفير مشاريع إنتاجية ومصادر دخل مستدامة تساعد النساء على إعالة أسرهن وتجاوز آثار الفقد والفقر المتزايد.

كما تبين أن 64% من الأرامل تتراوح أعمارهن بين 18 و45 عاماً وهي فئة يفترض أن تكون في ذروة العطاء والإنتاج، لكنها تجد نفسها اليوم منشغلة بتأمين أبسط مقومات الحياة لأطفالها. وفي المقابل تبلغ نسبة الأرامل المسنات ممن تجاوزن الستين عاماً 14.9% وهن بحاجة إلى رعاية صحية واجتماعية مستمرة بينما توجد نسبة من الأرامل القاصرات تحت سن الثامنة عشرة، يحتجن إلى حماية قانونية ودعم نفسي واجتماعي خاص.

إن هذه الأرقام تكشف عن واقعٍ قاسٍ تعيشه آلاف النساء في قطاع غزة فهي لا تعكس حجم الخسارة البشرية بل تُظهر أيضًا حجم التحديات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية التي تثقل كاهل الأرامل يوماً بعد يوم.

 ▪︎ إرادة فولاذية 
رغم الألم فإن أرامل غزة يحملن إرادةً فولاذية تتجاوز حدود الفقد والمعاناة فهذه المرأة التي فقدت شريك حياتها وسندها  لم تسمح للحزن أن يهزمها أمام مسؤولياتها تجاه أبنائها وأسرتها بل وجدت نفسها في لحظة قاسية مطالبة بأن تكون الأم والأب معاً، تستيقظ وهي تحمل همّ توفير الطعام والماء والدواء لأطفالها وتسعى جاهدة إلى تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة في ظل النزوح المستمر وارتفاع معدلات الفقر وتراجع فرص العمل وانعدام الاستقرار وبين طوابير المساعدات والبحث عن مأوى آمن والخوف من المستقبل تواصل هذه المرأة مسيرتها بصبر استثنائي وعزيمة لا تلين واضعةً أبناءها في مقدمة أولوياتها مهما بلغت التضحيات.

إن قوة أرامل غزة لا تكمن فقط في قدرتهن على التحمّل بل في إصرارهن على مواصلة الحياة يحاولن إعادة بناء حياتهن من بين الركام وغرس الأمل في نفوس أطفالهن رغم مشاهد الحرب القاسية التي ما زالت تلاحقهم ، يحاربن اليأس بالإيمان والخوف بالصبر والعجز بالإرادة مؤمنات بأن أبناءهن يستحقون مستقبلًا أفضل وأن عليهن مواصلة الطريق مهما كانت التحديات.

لقد تحولت الأرملة في غزة إلى رمز للصمود الفلسطيني تحمل على كتفيها أعباءً تفوق طاقتها أحياناً لكنها ترفض الانكسار وبين وجع الذكريات وقسوة الحاضر وغموض المستقبل تبقى إرادتها أقوى من المحن شاهدةً على قدرة المرأة الفلسطينية على الصمود والتشبث بالحياة حتى في أكثر الظروف قسوة وألماً.

اخر الأخبار