سوسيولوجيا المواصلات في غزة: "المقطورة" كفضاء للتفاعل الإنساني والمعاناة

تابعنا على:   16:42 2026-06-24

د. سلامه ابو زعيتر

أمد/ تبدو غزة وكأنها حالة استثنائية عصية على القياس والمعايرة في المشهد العالمي المعاصر؛ فكل تفاصيل الحياة اليومية فيها تُعاد صياغتها لتنتج نماذج غير مسبوقة في تاريخ الأزمات البشرية. ففي زمن يتسابق فيه الكوكب نحو الذكاء الاصطناعي الفائق وعوالم "الميتافيرس" الرقمية، تعيش غزة فصلاً قسرياً وبدائياً من الصراع من أجل البقاء المادي والفيزيائي.
فبعد أن دُمّرت الطرق وقُطّعت أوصال البنية التحتية بالكامل، وانحصر الوجود السكاني والنزوح على شريط ساحلي ضيق يضم ثلاث محافظات رئيسية (غزة، والوسطى، وخانيونس)، تحول التنقل بين هذه الجغرافيات القريبة إلى مشقة بالغة تفوق الوصف؛ إذ يستغرق السفر من محافظة إلى أخرى ما بين ثلاث إلى أربع ساعات -وأحياناً أكثر من ذلك- برغم قصر المسافات جغرافياً وعدم وجود حواجز مادية ملموسة.
وسائط النقل الهجينة: بنية ميكانيكية مشوهة
إن هذه المعضلة الزمنية تعود بالأساس إلى طبيعة وسائل النقل المتاحة حالياً، والتي يمكن وصفها ميكانيكياً وسوسيولوجياً بأنها "وسائل بدائية وهجينة". فالمركبة على خطوط غزة اليوم عبارة عن سيارة شبه مدمرة لا تتعدى كفاءتها التشغيلية 30%، تجر خلفها مقطورة حديدية صلبة ("كارفان" على محور عجلي)، تُحمل عليها أجساد ما بين 10 إلى 15 راكباً، يُضافون إلى حمولة المركبة الداخلية التي تغص بستة ركاب آخرين؛ ناهيك عن المغامرين الذين يضطرون لركوب بجانب السائق، أو في حقيبة السيارة الخلفية، أو الوقوف على وصلة المقطورة الحديدية (المجرور) أثناء المسير وسط غياب تام لوسائل الأمان.
سوسيولوجيا المقطورة: مجتمع مؤقت وصياغة العلاقات في زمن الأزمة
إن التدقيق في واقع "المقطورة الحديدية" يتجاوز البعد المادي لوسيلة النقل، ليقودنا إلى فهم ديناميكيات "علم اجتماع الأزمة". لقد تحولت هذه المقطورة من مجرد أداة نقل جماد إلى "فضاء اجتماعي مؤقت" تذوب فيه الفوارق الطبقية والاجتماعية؛ حيث يجلس الطبيب والأستاذ الجامعي إلى جانب العامل والنازح البسيط، يشتركون جميعاً في نفس المعاناة، ويتلقون ذات الضربات الجسدية القاسية مع كل حفرة أو منعرج في الطرقات المدمرة.
تبدأ هذه الرحلة السوسيولوجية من الموقف العام، حيث يرتفع صوت "المنادي" لجمع الركاب، ولا تتحرك المركبة إلا بعد استنفاد كل شبر في جسدها الحديدي. ومع بداية التحرك، تبرز مفارقة تكنولوجية واجتماعية صارخة؛ إذ يطلب السائق من الركاب الاستعداد لتحويل الأجرة عبر "المحافظ الإلكترونية". وهنا يتجلى سلوك جمعي فريد؛ حيث يضطر السائق للتوقف عند أقرب نقطة يتوفر فيها إنترنت مجاني، ليصطف الركاب إلكترونياً لبدء عملية التحويل التي تستغرق وقتًا طويلاً.
إن اضطرار مجتمع يعيش مظاهر بدائية في النقل لاستخدام أرقى وسائل التكنولوجيا المالية لدفع الأجرة، يعكس مرونة قسرية وتكيفاً بنيوياً عجيباً مع الأزمة، برغم أن هذه الأجرة (التي تصل إلى 30 شيقلاً ذهاباً وإياباً) تعد الأعلى في العالم قياساً بالمسافة وعدد الركاب، وتشكل عبئاً ساحقاً في بيئة ينهشها الفقر وتعدم فيها الدخول الكافية.
ورغم قسوة الساعات المهدورة فوق أنقاض الطرق، وسط الروائح الخانقة المنبعثة من عوادم المركبات الناتجة عن خليط وقود بديل ومسموم (السولار البلاستيكي المعاد تدويره وممزوجه بزيت الطهي "السيرج")، إلا أن هذا الفضاء الحديدي المغلق يولد تفاعلات إنسانية عميقة. فالساعات الطويلة تتيح للركاب نسج علاقات اجتماعية عفوية، وتبادل الحوارات، ومناقشة همومهم بتعبيرات تخرج من قلوب أنهكها الوجع.
إن "سوسيولوجيا المقطورة" أثبتت قدرتها على إعادة إنتاج الحياة؛ فقد تحولت في بعض الأحيان إلى مساحة للتعارف أفضت لعقد قران بعض الشباب، وفي أحيان أخرى كانت سبباً في توفير فرص عمل، أو إرشاد عائلات نازحة لأماكن آمنة ونقل خيامهم. إنها مجتمع غزيّ مصغر يتحرك على عجلات، يتألم معاً ويقهر الفناء بالاجتماع البشري.
الكلفة البشرية والمخاطر واستنزاف الطاقات
إن هذا الواقع اليومي بات يوازي في مشقته ونفسيته السفر بين الدول، بل يفوقه صعوبة؛ مما جعل المواطنين يتنقلون بحقائب ظهر تحتوي على مستلزمات أساسية وملابس بديلة ومياه للشرب تحسباً لطوارئ الطريق وانقطاع السبل. هذا الواقع الاستثنائي بات يطرح تساؤلات ملحة تسترعي انتباه الباحثين والمفتين للنظر في النوازل الفقهية المعاصرة وتكييف الأحكام الشرعية (كأحكام السفر والرخص) للتخفيف عن المواطنين في ظل هذه الرحلة الشاقة زمنيًا والمهلكة جسديًا.
وتتجلى المأساة الكبرى لدى شريحة الموظفين وطلبة الجامعات؛ فالنسبة الأكبر منهم تكابد هذا الشقاء اليومي للوصول إلى مقار عملهم ومقاعد دراستهم. ورغم أن بعض المؤسسات الكبرى تعاقدت مع مكاتب سيارات خاصة بأسعار مرتفعة لتأمين موظفيها، إلا أن الأغلبية الساحقة ما زالت رهن هذه الوسائل البدائية العشوائية.
ويوجع القلب منظر من تبقى من طلبة الجامعات القادمين من محافظات الجنوب، وهم يكابدون هذا العناء اليومي للوصول إلى حواضرهم التعليمية. إن هذا الواقع لا ينطوي على التعب الفسيولوجي والنفسي فحسب، بل يفيض بالمخاطر؛ فكم من مرة تأرجحت هذه المقطورات وكادت أن تنقلب -وانقلب بعضها بالفعل- أو أفلتت من السيارة لتضع حياة العشرات على المحك. إننا باختصار أمام معادلة ثلاثية مرعبة: "أسعار باهظة، ومواصلات خطرة، وزمن مهدور".
رؤية علاجية وتوصيات للسياسات العامة
إن الاستمرار في هذه الحالة يعد استنزافاً غير مقبُول لكرامة الإنسان الفلسطيني وطاقته النفسية والجسدية. وبناءً على التحليل السوسيولوجي المتقدم، نضع هذه القضية الحيوية على طاولة المفكرين، والفاعلين اجتماعيين، وصناع القرار، والمؤسسات الدولية والأهلية ذات العلاقة، لنقترح جملة من التوصيات العلاجية العاجلة:
1. مأسسة قطاع النقل وتوفير الحافلات الكبرى: العمل الفوري على تشغيل أسطول من الحافلات الكبيرة والمنظمة من قبل الجهات المسؤولة والمؤسسات الدولية، لتكون بديلاً آمناً وإنسانياً للمقطورات العشوائية، وبأسعار تتناسب مع الوضع الاقتصادي للمواطنين والطلاب.
2. الفحص الفني الدوري والرقابة الصارمة: إلزام كافة وسائل النقل والمواصلات الحالية بعمليات فحص فني دوري إجباري، والتأكد التام من متانة وصلات المقطورات بالمركبات، وتوفر أدنى معايير السلامة والأمان قبل السماح لها بنقل المواطنين.
3. تقييم أهلية السائقين: فرض رقابة مرورية حازمة وتفتيش دوري للتأكد من كفاءة وأهلية السائقين النفسية والفنية لقيادة هذه المركبات المدمجة في الطرق الوعرة، ومنع ظاهرة الحمولة الزائدة التي تهدد بالانقلاب الفوري.
4. تفعيل مبادرات اللجان الشعبية والشبابية: تشجيع وتأطير مبادرات مرورية تطوعية من الشباب لتنظيم خطوط السير ومراقبة التجاوزات في الميدان، وتوفير حاضنة ورعاية شعبية ومدنية لهذه المبادرات لسد الفراغ التنفيذي.
5. دعم قطاع النقل بالوقود الآمن: توفير وقود (سولار) مدعوم ومخصص لقطاع النقل والحافلات الكبيرة؛ للحد من الارتفاع الفاحش في الأجرة، وللقضاء على ظاهرة استخدام "الوقود البلاستيكي وزيت الطهي"، حمايةً للصحة العامة والبيئة من السموم المنبعثة.
ختاماً: إن تضافر الجهود المحلية والدولية لمعالجة أزمة المواصلات في غزة لم يعد ترفاً تحليلياً، بل هو خطوة إسعافية وجودية لتعزيز صمود المواطن الفلسطيني، وتأمين حقه الأساسي في حركة آمنة، كريمة، تليق بإنسانيته وتضحياته الاستثنائية.

اخر الأخبار