سموتريش لا يمثل نفسه
عمر حلمي الغول
أمد/ للتهرب من المسؤولية السياسية والقانونية والأخلاقية، تلجأ الإدارات الأميركية والعديد من الدول الأوروبية لإغماض العين عن السياسات والانتهاكات والجرائم الخطيرة التي يرتكبها وزراء حكومة بنيامين نتنياهو النازية، ويدعون ان تلك الجرائم "لا تمثل السياسة الرسمية" للحكومة الإسرائيلية، انما هي "سياسات فردية وشخصية"، في تغطية صريحة على تلك الجرائم التي تهدد بشكل مباشر مصالح الشعب العربي الفلسطيني السياسية والقانونية، وتهدد أسس وركائز عملية السلام، تمهيدا لتصفيتها من جذورها، ولإغلاق الباب كليا أمام استقلال وسيادة الدولة الفلسطينية المحتلة عام 1967، وتتعامد تلك الانتهاكات المتغطرسة مع القوانين العنصرية التي سنتها الكنيست الإسرائيلية، الرافضة لوجود الدولة الفلسطينية من حيث المبدأ، وتعمل حكومة الإبادة الجماعية بشكل حثيث على توسيع وتعميق عمليات التهجير القسري والتطهير العرقي لأبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والقدس العاصمة وعموم محافظات الضفة الغربية، وفق خطط ومشاريع استعمارية منهجية، وصولا لهدفها في نفي الشعب من تراب وطنه الام فلسطين.
ورغم وضوح الأهداف الخبيثة والخطيرة لمواقف الوزراء والمسؤولين الإسرائيليين النازيين، الا أن مسؤولي الإدارة الأميركية يتعامون عنها، ويتجاهلون أخطارها، ومن النماذج ذات الصلة بهذه السياسات، ما أعلن عنه بتسلئيل سموتريش وزير المالية والحرب أمس الثلاثاء الموافق 16 حزيران/ يونيو 2026، في حفل الإعلان عن إقامة مستوطنة دوران الجديدة على جبل الخليل، وكشف اثناء ذلك بالقول: عن إتمام خطوة تاريخية الليلة الماضية، تم بموجبها سحب جميع صلاحيات التخطيط والبناء الممنوحة لبلدية الخليل بموجب اتفاقية الخليل.
وكان بادر وزير المالية وزعيم الصهيونية الدينية، قبل عدة أشهر، الى اتخاذ قرار تاريخي وعرضه على مجلس الوزراء السياسي الأمني للموافقة عليه، تم الليلة قبل الماضية بتوجيه من الوزير سموتريش، إتمام إلغاء ترتيبات اتفاقية الخليل في مجال التخطيط والبناء، وذلك خلال اجتماع المجلس الأعلى للتخطيط في "يهودا والسامرة" الضفة الغربية. وجاء في كلمته في افتتاح المستعمرة الجديدة: "الغينا أمس اتفاقيات الخليل، لسنوات عديدة، ظل أحد أكثر بنود أوسلو عبثية ساريا، حيث كانت السلطة المتعلقة بالمستوطنة اليهودية في الخليل والمواقع المقدسة تعتمد على بلدية الخليل، التي وصفها با"لإرهابية" وأضاف "بالأمس وضعنا حداً لذلك"، وتابع "الوزير النازي " هذا أكثر بكثير من مجرد خطوة تخطيطية، أنه تعديل تاريخي. نواصل ثورة تنظيم الاستيطان، وتعزيز الحوكمة، وتعميق السيادة الإسرائيلية في "يهودا والسامرة." الاستعمارية
إذا الخطوة الاجرامية التي ارتكبها سموتريش، لم تكن أولا خطوة فردية، ولا هي متعلقة برغبته الشخصية فقط؛ ثانيا قام قبل عدة شهور بطرح الخطة على الحكومة الإسرائيلية، وأخذ الموافقة عليها آنذاك؛ ثالثا اعتمدها مجددا في جلسة المجلس الأعلى للتخطيط الاستيطاني الاستعماري في الضفة الغربية، وهو مجلس معتمد رسميا من قبل الحكومات الاسرائيلية كافة وبالتالي لا يمكن، ولا يجوز افتراض ان ما تم المصادقة عليه في تصفية، آخر ملامح اتفاقية أوسلو، الموقعة بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة إسحاق رابين، في 13 أيلول / سبتمبر في البيت الأبيض الأميركي، مجرد خطوة فردية، ومعزولة عن خطط ومشاريع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وخاصة حكومته الائتلافية الحالية، التي عملت وتعمل وارتكبت ابشع جرائم الإبادة الجماعية ضد أبناء الشعب في الضفة والقطاع وفي القلب منها العاصمة الفلسطينية القدس الشرقية. وبالتالي على الهيئات القيادية الفلسطينية المختلفة أولا رفع الصوت عاليا في وجه حكومة نتنياهو؛ ثانيا تحميل الإدارة الأميركية المسؤولية عن استمراء حكومة الائتلاف الحاكم جرائم الحرب المتواصلة والمستهدفة مصالح وحقوق الشعب العليا، وعملية السلام وخيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967، بغض النظر قبلت الولايات المتحدة بالخيار الاممي والعربي، أم رفضته، لأن القيمة الأساسية هنا تكريس الخيار المقبول دوليا، وتعمل لتجسيده الدول المشرفة على مخرجات مؤتمر نيويورك الاممي لدعم خيار حل الدولتين 2025، أي فرنسا والعربية السعودية، المنسجم مع مجمل قرارات وقوانين الشرعية الدولية.
مؤكد لعبة السياسة في ظل ظروف معقدة كالتي تعيشها القضية الفلسطينية، تحتاج لمزيد من الحكمة والمسؤولية في مواجهة التغول والبلطجة النازية، ولكن هناك فرق بين المرونة المسؤولة، وبين الهبوط بمستوى الانحناء لمرور العاصفة، ودائما يفترض ان يكون الصوت الفلسطيني صاحب الحقوق والمصالح عاليا في دفاعه عن الثوابت الوطنية، لا أن يُفصل موقفه على مقاس هذه الدولة أو تلك.
