لا يحرث الأرض الا عجولها غزة والدرس التاريخي المر
مازن موسي طبيل
أمد/ منذ ان خطّ التاريخ اول سطوره على رمال ساحل فلسطين وغزة تقف كمصد الريح تدفع عن الامة بأسرها اثمان الوجود وتقاتل وحدها في الميدان حتى وإن اغرقوها بمصطلحات محور المقاومة والشعارات البراقة في كل مكان لطالما كان الفلسطيني صوتا وبندقية يدافع ويقاتل من اجل رفع الظلم الواقع على كل مظلوم في هذا العالم ولو بالكلمة متجاوزا قلة إمكانياته ومستندا إلى عدالة قضيته ولكن حين اندلعت الحرب الاخيرة على غزة انقشع الضباب بلهيب التدمير والقصف والتهجير وتحملت الارض والشجر والانسان والنساء والاطفال والشيوخ ما لا تطيقه الجبال على امل ان تترجم شعارات وحدة الساحات واخلاقيات المحور الى واقع يسند صمودها فإذا بها تذوب في غياهب الخطابات المؤقتة وحين اندلعت المواجهة المباشرة بين ايران وامريكا واسرائيل واستمرت لشهور تسارع العالم باسره من مجلس الامن الدولي الى مجالس العرب عبر قنوات معلنة ومكشوفة ومسارات عديدة لفض النزاع ووقف الحرب تدخل الجميع لحماية مصالحهم وحين وقع اتفاق وقف اطلاق النار وتلاشت سحب الدخان طُويت الصفحة دون ان يشمل الاتفاق اي بند يخص غزة لا بوقف حرب ولا حتى بهدنة لاربع وعشرين ساعة ضاربين بعرض الحائط كل الالتزامات والاخلاقيات وبقت غزة في حيرة من تساؤلات عديدة قد تعودت عليها منذ القدم لتتذكر الحكمة الشعبية التي رددتها أجيالها لا يحرث الارض الا عجولها حتى لو مرضت عجولها
ان هذا الاستثناء المتعمد لغزة وفلسطين من الحسابات الدولية والعربية ليس خطأً عابرا او هفوة سياسية بل هو نهج تكرر عبر محطات وملاحم تاريخية طويلة دافع فيها رموز فلسطين بارواحهم عن كرامة الامة وتركوا فيها فرادى يواجهون المخرز بكفوفهم العارية ففي معركة القسطل عام 1948 تُرِك القائد عبد القادر الحسيني يقاتل وحده في معركة مصيرية بينما كانت الأمة العربية تتصارع بالاستنكارات والشجب وتضن عليه بالسلاح حتى استشهد مقبلا غير مدبر وقبلها في احراش يعبد عام 1935 حوصر الشيخ الثائر عز الدين القسام وقاتل وحده مع رفاقه حتى رمقه الاخير ضد الانتداب البريطاني وتكرر المشهد في معركة الكرامة واحراش عجلون حيث ترك الفلسطيني وحده يدفع ثمن التوازنات السياسية مثلما استبسل وحده دون اي مساندة في قلعة شقيف بجنوب لبنان عام 1982 امام الاجتياح الإسرائيلي وحين اراد الفلسطينيون ايصال صوت قضيتهم للعالم قاتلت ليلى خالد ووديع حداد من داخل الطائرات والكل يشاهد ويستنكر الاسلوب متناسيا اصل المظلمة وقطعت المناضلة دلال المغربي مع رفاقها مسافات طويلة عبر زورق بحري وقاتلت ونكل العدو بجثتها دون اي رد فعل عربي يهز عروش الصامتين حتى داخل عتمة السجون صارع ابطال الحركة الاسيرة سجانيهم بامعائهم الخاوية واستشهدوا دون رادع كالأسيـر عمر القاسم وانيس دولة (مراغة) حلاوة وخاض عبد القادر ابو الفحم معركته في خان يونس واصيب وأاسر وما زال العالم يتعامل مع تضحياتنا كأرقام صماء ولم يسلم من هذا الخذلان كبار القادة فحين طُورد وحوصر الرئيس ياسر عرفات في مقره واغتيل بالسم خرجوا برسائل التعزية الباردة وحين اغتيل الدكتور فتحي الشقاقي في مالطا تساءل العرب اين وكيف حدث ذلك دون حراك واليوم اصبحت الجريمة عامة ولم يستثن منها احد فالقدس تستباح امام ناظري الامة الإسلامية بكل مجالسها وجنين اجتيحت ودارت فيها معركة طاحنة والكل في موقف المتفرج
هذا السرد المؤلم يتطابق تماما مع التاريخ السياسي والعسكري للمنطقةحيث ابرمت عبر العقود اتفاقيات كبرى بين دول إقليمية ودولية تم فيها استثناء غزة وفلسطين بشكل كامل بدءا من اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 التي ركزت على استعادة سيناء وجعلت ملف الحكم الذاتي للفلسطينيين ملحقا ثانويا همّش لاحقا مرورا باتفاقية وادي عربة عام 1994 التي رتبت الحدود والامن المائي وتركت قضايا اللاجئين والقدس معلقة وصولا إلى تفاهمات نيسان عام 1996 التي حيدت جبهات أخرى ودون اي اشارة لمعاناة قطاع غزة والضفة وحتى الاتفاقيات الاخيرة التي صاغتها القوى الكبرى والإقليمية لترتيب مصالحها الامنية وحماية حدودها مستثنيةً غزة من اي بند لانهاء الحرب او كسر الحصار ان هذا التخلي المستمر وخاصة من محور المقاومة يطرح السؤال الصادم هل غزة لا تشكل شيئا في هذه الحسابات ام انها مجرد حطب يلقى به في نيران أي حرب لتحسين شروط تفاوض الاخرين وحين يؤمنون مصالحهم يتركونها وحيدة والجواب الذي صاغته دماء الاطفال والنساء وانين الشجر والتراب في غزة هو رسالة واضحة لكل من تبقى من المثقفين والسياسيين والعسكريين والمواطنين لقد تعلمنا الدرس بحبر من دم الحقوق لا توهب في المحافل الدولية والتحالفات المبنية على الشعارات هي سراب يتبخر عند اول اختبار حقيقي للمصالح غزة ليست رقما ثانويا بل هي مركز الثقل وأصل الحكاية والخطا في استثنائها هو خطا مقصود لعزلها وكسر ارادتها لكن غزة التي كشفت زيف المواقف والخطابات ستبني صمودها بسواعد اهلها وتلاحمهم مدركة انه لا فضل لاحد عليها بل الفضل لها على الجميع وان أرضها لن يحرثها ولن يحميها الا عجولها الاوفياء
