التضليل الإعلامي والإحباط الأخلاقي – غزة بين الأكاذيب وإعادة إنتاج جيش لحد

تابعنا على:   14:53 2026-06-12

عبدالحكيم سليمان وادي

أمد/ في خضم حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة على مدار عامين (من أكتوبر 2023 إلى أكتوبر 2025)، تكشفت أبعاد جديدة للصراع لم تعد مقتصرة على الميدان العسكري وحده، بل امتدت إلى ساحات الإعلام، والحرب النفسية، والسياسية، والأخلاقية. فإلى جانب آلة القتل والتدمير التي استخدمت نحو 85 ألف طن من المتفجرات، وحصدت أرواح أكثر من 180 ألف فلسطيني بين شهيد ومفقود وفق تقديرات مؤسسات حقوقية، أدارت إسرائيل عملية ممنهجة من "التضليل الإعلامي" و"الإحباط الأخلاقي" الجماعي، تستهدف تشويش الرأي العام العالمي، وتفكيك النسيج المجتمعي الفلسطيني من الداخل، وإعادة إنتاج نموذج الميليشيات العميلة على غرار "جيش لحد" في لبنان. هذه الاستراتيجية الثلاثية الأبعاد تشكل أخطر تطور في الصراع، إذ تسعى لتطبيع الإبادة أخلاقياً وسياسياً، وخلق واقع جديد في غزة يقوم على تدمير المقاومة من الداخل عبر أيادٍ فلسطينية خائنة.

السؤال الإشكالي

كيف وظفت إسرائيل آليات التضليل الإعلامي والإحباط الأخلاقي الجماعي خلال حرب الإبادة على غزة لتبرير جرائمها وتفكيك الإرادة الفلسطينية؛ وما علاقة هذه الاستراتيجية بمحاولة إنشاء ميليشيات مسلحة عميلة في غزة على غرار تجربة "جيش لحد" اللبنانية؛ وإلى أي مدى نجحت هذه الأدوات في تحقيق أهداف الاحتلال، وما السبل الممكنة لفضحها ومواجهتها.

أولاً: جبهة التضليل الإعلامي – تبرير الإبادة في غزة بصناعة الأكاذيب

لم تكن حرب الإبادة على غزة مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين طرفين غير متكافئين، بل تحولت ؛كما وصفتها صحيفة نيويورك تايمز ؛ إلى "حرب عالمية إعلامية عبر الإنترنت" أطلقت فيها دولة الاحتلال الاسرائيلي، "سيلاً من الأكاذيب والدعاية والمعلومات المضللة".
برز التضليل الإعلامي الإسرائيلي كسلاح فتّاك وظّفه الاحتلال لتبرير جرائمه وتغطية استهدافه الممنهج للمدنيين الفلسطينيين. وقد تجلى ذلك من خلال عدة آليات هي:
1-اعتماد رواية كاذبة عن استخدام المقاومة للمدنيين كدروع بشرية، رغم أن تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش أكدت أن غالبية الضحايا كانوا في منازلهم أو مدارس الأونروا أو مستشفيات.

2-ترويج صورة "الضربات الجراحية الدقيقة عبر القصف بالطائرات والمسيرات والقنابل التي تزن أطنان"؛ بينما كشفت تحقيقات معهد "يورو ميد" لحقوق الإنسان أن 94% من القنابل المستخدمة كانت غير موجهة وتسمى قنابل غبية، ما أدى إلى تدمير أحياء سكنية بأكملها.

3-إظهار الاحتلال في موقع الضحية عبر تضخيم أعداد قتلاه المدنيين وتقديم صورة "الدفاع عن النفس" لكسب تعاطف دولي وتقليل النقد الموجه لجرائم الحرب. ومن أبرز النماذج الواقعية على هذا التضليل، ما حدث مع الصحفي الفلسطيني حمزة الدحدوح، حيث اغتالته غارة إسرائيلية في يناير 2024 وهو يرتدي سترة الصحافة، ثم أصدر جيش الاحتلال بياناً زعم فيه أنه "مشتبه به أمنياً" ويعمل مع حركة حماس، دون تقديم أي دليل. لاحقاً، فضحت تحقيقات منظمة مراسلون بلا حدود أن حمزة الدحدوح كان مسجلاً لدى السلطة الفلسطينية كصحفي معتمد، وأن الاستهداف كان متعمداً. والأكثر إثارة للصدمة هو أن إسرائيل قتلت خلال حرب الإبادة أكثر من 255 صحفياً فلسطينياً، بينهم 45 صحفية، في أكبر مجزرة بحق الإعلاميين في التاريخ الحديث، متجاهلةً القوانين الدولية التي تؤكد توفير الحماية الكاملة للصحفيين في النزاعات المسلحة.

كما اعتمد التضليل الإسرائيلي على الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى مزيف؛ ففي يوليو 2024، انتشر فيديو مولد بالذكاء الاصطناعي يظهر أطفالاً فلسطينيين يصرخون "نحن من قتلنا عائلاتنا"، تم تداوله عبر حسابات إسرائيلية موازية قبل أن يثبت منصة "لوجيلي" أنه مفبرك بالكامل؛هذا التضليل لم يكن ليبلغ مداه لولا التواطؤ الغربي، حيث اعترف تحقيق لصحيفة الجارديان أن كبريات الشبكات الإخبارية (CNN، BBC، Fox News) تبنت الرواية الإسرائيلية في الأسابيع الأولى للحرب دون تدقيق، متجاهلة شهادات الشهود والتقارير الميدانية الفلسطينية.

ثانياً: الإحباط الأخلاقي الجماعي – تفكيك القيم الإنسانية من داخل المجتمع الفلسطيني.

إلى جانب الحرب الإعلامية، عملت دولة الاحتلال الاسرائيلي بشكل ممنهج على ما يمكن وصفه بـ "الإحباط الأخلاقي الجماعي" كأداة نفسية وسياسية تستهدف تفكيك النسيج الأخلاقي ليس فقط للفلسطينيين؛ ولكن أيضاً للرأي العام الاروبي والغربي بشكل عام. يتجلى هذا الإحباط في النقاط التالية :

1- سلوكيات الجيش الإسرائيلي غير الأخلاقية بحق المدنيين، والتي وثقتها تقارير حقوقية وأممية عديدة. على سبيل المثال، نشرت منظمة هيومن رايتس ووتش في مارس 2025 تحقيقاً يظهر أن الجنود الإسرائيليين تلقوا أوامر ضمنية بـ"عدم ترك أي إنسان في شمال غزة"، وأن بعضهم نشر صوراً وفيديوهات على وسائل التواصل تظهرهم وهم يحرقون منازلاً مأهولة ويدمرون بئراً للمياه أمام عائلات تموت عطشاً.

كما كشفت قناة الجزيرة عن تسريبات صوتية لقائد لواء في جيش الاحتلال يقول لجنوده، "لا تتعاملوا معهم كبشر؛ قطاع غزة هو سجن كبير وكل من فيه إرهابي". هذا هو الخطاب اللاإنساني لدولة الاحتلال الاسرائيلي.

2-تبني خطاب رسمي إسرائيلي يمحو معاناة الفلسطينيين، حيث صرح وزير الأمن الأسبق بني غانتس في نوفمبر 2023 قائلاً، "نحن نقاتل بشراً وحوشاً"، واستخدم مسؤولون آخرون تعبيرات مثل "أبناء الموت" و"الجرذان".

3-نشر سياسات العقاب الجماعي كأداة للإحباط الأخلاقي، حيث تم قطع الماء والكهرباء والغذاء والإنترنت والإتصالات عن مليوني إنسان فلسطيني، ومنع إدخال المساعدات الطبية حتى تسبب ذلك في وفيات بين الأطفال الخدج في مستشفى الشفاء في غزة. هذا المزيج العنيف والممنهج من القتل، وهندسة التجويع، والتشريد القسري يهدف إلى إحباط إرادة الشعب الفلسطيني، ودفعه نحو الانهيار النفسي أو الهجرة القسرية أو قبول أي واقع جديد يفرضه الاحتلال.

لقد أكدت تقارير منظمة الصحة العالمية أن 73% من سكان غزة أظهروا أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، وأن 58% عبروا عن رغبتهم في مغادرة القطاع نهائياً. وهذا ما تؤكده أيضاً تقارير حقوقية تشير إلى أن دولة الاحتلال الاسرائيلي بدأت تطبق أساليب الإبادة نفسها في الضفة الغربية، وتحديداً في مخيم جنين ونابلس وطولكرم، حيث تم استخدام الطائرات المسيرة لاغتيال شبان وإجبار آلاف العائلات على النزوح، في مسعى واضح لنشر ثقافة اليأس والإحباط كاستراتيجية متكاملة ضد الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده وتحديدا في القدس المحتلة عاصمة دولة فلسطين.

ثالثاً: مشروع إنشاء الميليشيات الفلسطينية العميلة – جيش لحد في غزة

تعيد إسرائيل إنتاج نموذج "جيش لبنان الجنوبي" (المعروف بـ "جيش لحد") الذي أنشأته في جنوب لبنان عام 1978 بقيادة سعد حداد ثم أنطوان لحد، كقوة محلية موالية لها تضرب المقاومة وتؤمن احتلالها لمدة 22 عاماً حتى انسحابها عام 2000.

في غزة، كشفت تقارير صحفية موثقة – منها تحقيق نشرته صحيفة هآرتس في فبراير 2025 – عن قيام إسرائيل بتسليح وتمويل جماعات مسلحة فلسطينية في غزة لقتال حماس وباقي الفصائل، تحت إشراف جهاز الشاباك وبموافقة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وقد سميت هذه الجماعات بـ "القوات الشعبية" أو "اللجان المحلية" ، وتتركز مناطق نشاطها في محيط معبر رفح ومنطقة محور فيلادلفيا وفي أحياء تل الهوى والزيتون جنوب مدينة غزة.

بحسب التحقيق، يوسع الجيش الإسرائيلي تجنيد هذه الميليشيات التي تعمل بتنسيق كامل مع ضباط إسرائيليين في الميدان، وتنحصر مهامها في حراسة الطرق والمواقع التي يسيطر عليها الاحتلال الاسرائيلي، وتأمين قوافل المساعدات التي تدخل عبر معبر كرم أبو سالم، والإبلاغ عن تحركات المقاومة، والقيام بعمليات اغتيال محددة ضد قيادات ميدانية للفصائل مقابل حصول عناصرها على رواتب شهرية تتراوح بين 500 و2000 دولار، بالإضافة إلى سيارات وأسلحة وغطاء أمني بالطائرات لمنع انقضاض المقاومة عليهم؛ ولكن في أغسطس 2025، أعلنت كتائب القسام أنها أعدمت 11 عنصراً من هذه الميليشيا الخائنة بعد أن نفذوا عملية اغتيال لأحد قادتها الميدانيين.

من النماذج الواقعية الصارخة، أن إسرائيل شكّلت في أبريل 2025 ما أسمته "الحرس الشعبي الموالي لاسرائيل " في منطقة المواصي بخان يونس، وقامت بتدريب عناصره (نحو 300 فرد) في معسكر للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي المحتلة، ثم أعادتهم لأداء مهام حراسة مقرات عسكرية إسرائيلية. هذا التطور أثار موجة استنكار فلسطينية واسعة، حيث حذرت كافة الـ فصائل الفلسطينية ،من أن الانضمام لهذه التشكيلات "يقع في باب العمالة والخيانة الكبرى"، وأكدت أن هذه الميليشيات لن تنال شرعية شعبية، ومصيرها الفشل مثل جيش لحد في لبنان.

رابعاً: التكامل بين التضليل والإحباط والميليشيات – استراتيجية ثلاثية الأبعاد

ما يميز استراتيجية دولة الاحتلال الإسرائيلي في غزة هو التكامل العضوي بين الأدوات الثلاث وهي، (التضليل الإعلامي، والإحباط الأخلاقي، والميليشيات العميلة). فالتضليل الإعلامي يخلق غطاء أخلاقياً وقانونياً لتمويل وتسليح هذه الميليشيات عبر تصويرها على أنها "قوى مدنية مستقلة تحافظ على النظام" وليس "عملاء للاحتلال الاسرائيلي".

في المقابل، يعمل الإحباط الأخلاقي على إنتاج حالة من اليأس والتطبيع مع فكرة وجود سلطة موازية عميلة في غزة اي هناك مجموعات من الخونه تخدم اسرائيل، خاصة بين من فقدوا كل شيء في القصف ويعيشون في الخيم الممزقة.

كما تسخر الميليشيات الخائنة العميلة، نفسها في تنفيذ عمليات تضليل ميداني، مثل زراعة أسلحة في منازل المدنيين قبل اقتحامها، أو تصوير مشاهد دعائية لـ"تسليم مقاومين" لتغذية السردية الإسرائيلية دوليا. ومن أبرز النماذج على هذا التكامل، ما حدث في منطقة جبل الريس برفح في يناير 2025، حيث قامت ميليشيا "القوات الشعبية" بتصوير فيديو يظهر فلسطينيين يستلمون مساعدات وهم يهتفون ضد حماس، ثم تم تداول الفيديو عبر حسابات إسرائيلية كدليل على أن شعب غزة "تمرد على حماس والمقاومة". لاحقاً تبين أن الفيديو مفبرك بالكامل، وأن الأشخاص الذين ظهروا فيه هم عناصر الميليشيا أنفسهم الذين يعملون مع دولة الاحتلال الاسرائيلي. هذا التكامل يجعل المواجهة مع الاحتلال أكثر تعقيداً، لأنه يحول الصراع من مواجهة عسكرية مباشرة إلى حرب داخلية نفسية وأخلاقية ربما تتحول إلى حرب أهلية في غزة، بدعم من اجهزة الامن الاسرائيلي.

خامساً: نماذج واقعية إضافية من جيش لحد إلى غزة – دروس وعبر.

تجربة جيش لحد في لبنان تقدم دروساً مهمة لفهم مصير المشروع العميل في غزة؛ تأسس جيش لحد عام 1978 بدعم إسرائيلي كامل، وبلغ عدد عناصره في أوج قوته نحو 3000 جندي، وسيطر على منطقة حدودية بعمق 15 كم، وأنشأ سجناً (سجن الخيام) عذب فيه مئات اللبنانيين. لكن رغم الدعم الإسرائيلي، انهار الجيش في غضون أسابيع قليلة بعد قرار إسرائيل الانسحاب عام 2000، وفر قادته إلى إسرائيل، بينما قُتل أو أسر أو حوكم معظم عناصره؛ العبرة أن أي كيان عميل يظل أداة بيد الاحتلال، ومصيره الفشل طالما أن الشعب متمسك بمقاومته.

في قطاع غزة، ظهرت بالفعل بوادر انهيار مماثلة،ففي مارس 2025، أعلنت العشائر، والعائلات رسمياً أن كل من ينتمي لتلك الميليشيا "خارج العشيرة والمجتمع الفلسطيني ودمه مهدور"، وفي مايو 2025، قامت مجموعة من شباب غزة بالهجوم على مقر "الحرس الشعبي" في المواصي، وتمكنوا من أسر 7 عناصر وسلموهم للمقاومة. كما أن التقارير الاستخباراتية الإسرائيلية المسربة تتحدث عن خلافات داخلية حادة داخل الميليشيات حول الرواتب ونطاق النفوذ، ورفض بعض العناصر تنفيذ عمليات قتل ضد فلسطينيين، هذا يعيد تأكيد أن المشاريع العملية تفشل حتماً عندما تُختبر على أرض الواقع.

سادساً: آثار الاستراتيجية الاسرائيلية على المدنيين الفلسطينيين والمشهد الإقليمي.

الحرب المتكاملة (العسكرية – الإعلامية – النفسية – الأخلاقية – السياسية) التي تشنها دولة الاحتلال الاسرائيلي،تركت آثاراً كارثية على المدنيين الفلسطينيين في غزة، تتجاوز الخسائر البشرية المباشرة وهي:

1-تدمير الثقة بين أبناء المجتمع الواحد، حيث أصبحت الشكوك تحوم حول كل فلسطيني يعمل في مجال المساعدات أو التنسيق مع جهات دولية، وقد سُجلت حالات إعدام ميداني لشبان اتُهموا بالتعاون مع الاحتلال دون تحقيق.

2-تدمير القيم الأخلاقية والروابط الأسرية، حيث لجأ الأهل أحياناً إلى إجبار أبنائهم على الانضمام للميليشيات العميلة من أجل الحصول على رغيف خبز، مما أدى لانفجارات عائلية دامية.

3- نزوح جماعي غير مسبوق، حيث أصبحت غزة جحيماً لا يطاق، وهاجر أكثر من 500 ألف فلسطيني إلى مصر أو أوروبا عبر معابر غير شرعية، في أكبر موجة هجرة فلسطينية منذ النكبة عام 1948 على مدار سنوات الحصار الاسرائيلي المفروض على غزة منذ عام 2007 والى يومنا هذا تاريخ كتابة هذا المقال.

4-على الصعيد الإقليمي، كشفت هذه الاستراتيجية عن أزمة أخلاقية عميقة في الغرب، حيث واصلت دول وعددهم 51 دولة منهم؛ الولاياتالمتحدة،وألمانيا ،وبريطانيا،وفرنسا،وإيطاليا وغيرهما،تزويد إسرائيل بالسلاح رغم أدلة الإبادة في غزة، مما زاد من مشاعر الكراهية للغرب في العالمين العربي والإسلامي، وأضعف مصداقية المنظمات الحقوقية الدولية التي لم تتحرك بفعالية لوقف الابادة وهندسة التجويع في قطاع غزة. كما أن فشل محكمة العدل الدولية بالتحرك السريع في إصدار القرارات لوقف الابادة، ولكن جاء قرار المحكمة الجنائية الدولية في إصدار قرار اعتقال ضد المتهمين؛ بارتكاب جرائم حرب/نتنياهو ،ووزير جيشه/غالانت ،قدم نموذجاً لعدم الإفلات من العقاب، وشكل تحذيرا لقادة جيش الاحتلال الاسرائيلي على عدم ارتكاب المزيد من التطرف والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في غزة.

-اقتراحات:

1. فضح التضليل الإعلامي عبر منصات مستقلة متخصصة.
يجب إنشاء منصة رقمية عربية – دولية تعمل على تفنيد (رواية دولة الاحتلال الإسرائيلي)، في أقل من 24 ساعة، باستخدام تقنيات التحقق المزدوج (مثل منظمة "مسبار" لكن بشكل أوسع)، وبث الأدلة الموثقة (صور الأقمار الصناعية، تسجيلات الجنود، شهادات الناجين) بكل اللغات الحية. كما يمكن أن تدعم هذه المنصة تمويلاً من مؤسسات المجتمع المدني والدول الصديقة لفلسطين مثل (جنوب أفريقيا، أيرلندا، تركيا، قطر وغيرهما من الدول).

2. ملاحقة قادة الاحتلال الاسرائيلي والميليشيات العميلة قانونياً.
ينبغي تشكيل فرق قانونية متخصصة (مثل هيئة الدفاع الدولية عن فلسطين) جمع ملفات إثبات بحق كل من ثبت تورطه في تمويل أو تسليح أو الانضمام للميليشيات العميلة، ورفع دعاوى أمام المحاكم الوطنية في الدول الأوروبية وفق مبدأ "الولاية القضائية العالمية"، أسوة بما حدث مع مجرمي الحرب اليوغوسلافيين. كما يجب إضافة جريمة "تجنيد عملاء لارتكاب جرائم حرب" كبند مستقل في لوائح الاتهام للقادة الإسرائيليين المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الأنسانية.

3. دعم برامج الصمود النفسي والاجتماعي في كل فلسطين وتحديدا في قطاع غزة بسبب حرب الابادة.
من الضروري تمويل وتنفيذ برامج إعادة تأهيل نفسي للأطفال والنساء في غزة بشكل عاجل، عبر منظمات محلية موثوقة (مثل برنامج غزة للصحة النفسية)، مع التركيز على علاج اضطراب ما بعد الصدمة وإعادة بناء التماسك الاجتماعي من خلال أنشطة فنية ورياضية جماعية، وذلك لمواجهة آثار الإحباط الأخلاقي الذي زرعه الاحتلال الاسرائيلي في غزة.

4. بناء تحالف إعلامي بديل بدلاً من الاعتماد على وسائل الإعلام الغربية المنحازة.

ينبغي دعم وتوسيع عمل شبكات إعلامية مهنية مثل نموذج "الجزيرة الإنجليزية" و"الميادين" و"غيرهما"، وتدريب إعلاميين فلسطينيين على السرديات المؤثرة في الغرب، وإنتاج أفلام وثائقية قصيرة (بلغات متعددة)، تكشف آليات التضليل الاسرائيلي،والإحباط الأخلاقي، وفضح تجارب الميليشيات العميلة، وتوزيعها عبر نتفليكس ويوتيوب ومنصات البودكاست ومواقع التواصل الإجتماعي .

5. تفعيل دور الأزهر الشريف والكنائس والمراجع الأخلاقية العالمية.

ينبغي توجيه رسائل أخلاقية جماعية من كبار رجال الدين في العالم الإسلامي والمسيحي (الأزهر، الفاتيكان، كنائس الشرق الأوسط) تدين بشكل قاطع جرائم الإبادة في غزة، وفضح سياسة التضليل ودور الميليشيات العميلة القذر، ومناشدة النشطاء بالاستمرار في مقاطعة كافة منتوجات دولة الاحتلال الاسرائيلي ، وإصدار وثيقة "قيم القدس" التي تعلن أن محاربة الاحتلال واجب أخلاقي وإنساني قبل أن يكون سياسي، مما يحبط المحاولات الإسرائيلية لتجريد المقاومة من شرعيتها الأخلاقية على الصعيد الدولي.

الخاتمة

تمثل حرب الإبادة على غزة (أكتوبر 2023 – أكتوبر 2025) نموذجاً مركباً وخطيراً للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، حيث لم يعد الاحتلال الاسرائيلي يكتفي بالقصف والتجويع، بل أضاف إليها أسلحة فتاكة غير تقليدية ؛مثل سياسة التضليل الإعلامي الممنهج، والإحباط الأخلاقي الجماعي، ومشروع (الميليشيات المحلية العميلة)، التي تحاول إعادة إنتاج نموذج "جيش لحد" الفاشل.

تشكل هذه المكونات الثلاثة استراتيجية إسرائيلية موحدة تستهدف تفكيك المجتمع الفلسطيني نفسياً وسياسياً وميدانياً وأخلاقياً، بهدف تمرير إبادة جماعية دون ثمن سياسي أو أخلاقي؛ لكن تجربة جيش لحد التي انهارت عام 2000 في لبنان، والتجربة الفلسطينية المقاومة في كل العقود، تؤكد أن أي قوة عميلة ستظل أداة هشة بيد الاحتلال الاسرائيلي، ومصيرها السقوط والفشل الذريع طالما ظل الشعب الفلسطيني؛ رغم كل الألم والإحباط؛ متمسكاً بحقه في فلسطين المحتلة، التمسك بالأرض والمقاومة والكرامة.

اخيراً،إن كشف هذه الآليات الخطيرة التي تمارسها دولة الاحتلال الاسرائيلي،هو الخطوة الأولى في مواجهتها، والفضح المستمر للتضليل الإسرائيلي، وإعادة بناء الثقة المجتمعية في كل فلسطين؛ غزة والضفة والقدس المحتلة، والملاحقة القانونية لقادة الاحتلال الاسرائيلي المتورطين في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الأنسانية في كل فلسطين، وايضاً ملاحقة قانونية لكل خائن وعميل يخدم الاحتلال، هذه هي مفاتيح الانتصار الفلسطيني في هذه المعركة الوجودية التي تتجاوز حدود فلسطين ؛غزة والضفة والقدس، لتشمل مستقبل الأخلاق والقيم في العالم بأسره.

اخر الأخبار