سلاح حماس.. بين الشعار والواقع

تابعنا على:   12:42 2026-06-08

د. أشرف الفرا

أمد/ في عالم السياسة والحروب، لا توجد خيارات مقدسة فوق النقد والمراجعة. أي قرار سياسي أو عسكري، ومهما كانت دوافعه، يجب أن يُحاكم في النهاية بمسطرة النتائج: ماذا حقق للناس على الأرض؟ وكيف انعكس على حياتهم وأمنهم اليومي؟

اليوم، وأمام هذا المشهد القاسي لغزة التي دُمرت معالمها بالكامل، وتحولت مدنها وأحياؤها إلى تلال من الركام، لا يمكن لأحد التهرب من الأسئلة الصعبة التي تدور في مجالس النازحين، وتحت شوادر الخيام في المواصي، وفي كل شارع من القطاع.

يسأل الناس بمرارة وقهر: ماذا قدم لنا الخيار العسكري في هذه الجولة؟ هل حمى جداراً واحداً من بيوتنا التي قضينا العمر كله لنبنيها؟ هل كسر الحصار الممتد منذ سنوات، أم زاد الخناق ضيقاً؟

عندما تتجاوز الكلفة البشرية حدود التحمل، ويصبح الثمن محو عائلات كاملة من السجل المدني، ومسح البيوت، يغدو الصمت تواطئاً، ويصبح من حق كل مواطن يدفع الثمن من دم أبنائه ومستقبلهم أن يرفع صوته مطالباً بمراجعة علنية وشجاعة.

إن المسؤولية الأولى والمباشرة عن هذه الكارثة وحرب الدمار تقع بالكامل على عاتق الاحتلال الإسرائيلي، فهو أساس المعاناة والمسؤول جنائياً وأخلاقياً عن هذه المجازر.

لكن هذه الإدانة البديهية للاحتلال لم تعد تكفي، ولا تعفي قيادة حركة حماس من مسؤوليتها السياسية والوطنية. لقد اتخذت الحركة قرار هذه الحرب بشكل منفرد، دون توافق وطني أو تقدير حقيقي لتبعاته، ودفعت بالقطاع إلى مواجهة طاحنة وغير متكافئة.

وبما أنها اتخذت هذا الخيار، فهي المطالبة اليوم، قبل غيرها، بامتلاك الشجاعة لتقديم الحلول وإخراج الناس من هذا النفق، بدلاً من الارتهان لجولات استنزاف أخرى لن تزيد الواقع إلا خراباً.

الآن، يضع لقاء القاهرة بين الفصائل والوسطاء الحركة أمام لحظة الحقيقة. النقاشات الحالية حول تفاصيل المرحلة الثانية لوقف إطلاق النار لا تترك مجالاً للمناورة أو كسب الوقت، خاصة وأن الحركة وافقت بالفعل على بنود تمس مستقبل السلاح وضبطه. الاستمرار في ترديد الشعارات القديمة والمكابرة في نفس المربع لن يغير من الواقع شيئاً، بل سيعني نزيفاً مجانياً ومزيداً من المعاناة بلا أي أفق سياسي.

إن إنهاء هذه المعضلة يبدأ بتخلي الفصائل عن حساباتها الضيقة، والعمل تحت سقف قرار وطني موحد. ورغم كل الاختلافات حول الأداء؛ فإن تجاوز منظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد في المحافل الدولية، أو القفز فوق السلطة الفلسطينية كإدارة مؤسساتية رسمية للنظام السياسي، لن يخدم إلا مخططات عزل غزة؛ والالتفاف حولهما اليوم هو الدرع الأخير لحماية القضية.

وحتى لو انتهت الترتيبات الحالية بتسليم السلاح إلى "اللجنة الإدارية" المشكلة بموجب الاتفاق، فإن هذه الخطوة لن تكتسب أي قيمة فعلية ما لم تكن بالتنسيق الكامل والمباشر مع السلطة الفلسطينية ؛ لإعطائها الغطاء الرسمي، وقطع الطريق على أي مخططات لعزل غزة سياسياً وتثبيت انقسامها.

المطلوب هنا ليس مشهد استسلام يظهر فيه المقاتل كمن يلقي بندقيته ويرفع الراية البيضاء أمام الشروط الإسرائيلية، بل المطلوب خطوة سياسية مسؤولة يوضع فيها هذا السلاح تحت إدارة مؤسسات الدولة الفلسطينية الرسمية.

فنقل السلاح من الفصيل إلى القرار الوطني الموحد يحفظ كرامة الموقف، ويحرم الاحتلال من ادعاء النصر. والأهم من ذلك، أنه يضع المقدرات تحت قيادة شرعية واحدة تملك القدرة على فتح المعابر، وإطلاق الإعمار، وإعادة الحياة إلى طبيعتها.

بهذه الخطوة، تفقد إسرائيل الذرائع الأمنية التي طالما سوّقتها أمام العالم. هنا يتغير توصيف الصراع قانونياً وسياسياً؛ ليصبح مواجهة مباشرة بين احتلال إسرائيلي وأراضي دولة فلسطينية معترف بها، الأمر الذي يفتح الباب أمام ضغوط دبلوماسية واقتصادية حقيقية تجبر تل أبيب على التراجع.

قول هذا الكلام لا يعني التنازل عن الحق في المقاومة؛ فالاحتلال كان وسيبقى هو جذر الأزمة، لكن الإشارة إلى جرائمه يجب ألا تكون مبرراً للهروب من الواقع، أو للاستمرار في مغامرات يدفع المجتمع ككل ثمنها الباهظ.

لقد أثبتت هذه التجربة القاسية أن القوة الحقيقية لحركات التحرر هي قدرتها على حماية شعبها وتأمين حياة أطفالها، لا في عدد الصواريخ أو طول الأنفاق. إن الشجاعة اليوم لا تعني المكابرة بالشعارات فوق ركام المدن، بل في امتلاك الجرأة السياسية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتقديم حياة الناس المتعبة على أي مصالح فصائلية ضيقة.

اخر الأخبار