قانون الكنيست "الخبيث" ومستقبل المُعلمين في القدس
أحمد عبد الوهاب
أمد/ يبدو القانون الذي أقره الكنيست الإسرائيلي، بحظر توظيف المعلمين الحاصلين على شهادات تدريس من مؤسسات فلسطينية داخل النظام التعليمي التابع للاحتلال، للوهلة الأولى خطوة إجرائية أو تنظيمية، لكنه يحمل في عمقها تداعيات تربوية ومجتمعية واسعة، خاصة في القدس الشرقية، حيث لا يمكن فصل التعليم عن السياق المكاني والمهني والإنساني الذي يعمل داخله المعلمون والطلبة معًا.
من زاوية مهنية تربوية، يغير هذا القانون المسار الطبيعي لتشكل المعلم وتطوره المهني، وفي أي نظام تعليمي سليم، يختار المعلم مؤسسة إعداده بناءً على عوامل متعددة "القرب الجغرافي، الكلفة، اللغة، المناهج، البيئة الثقافية التي سيتعامل معها لاحقًا داخل الصف". وحين يُفرض مسار واحد معترف به قانونيًا، تُغلق أمام المعلم خيارات مهنية كانت سابقًا مشروعة ومتكاملة مع واقعه، ويتحول قرار الدراسة من خيار تربوي إلى استجابة قسرية لشروط سوق العمل.
في القدس الشرقية تحديدًا، يضيق هذا القانون فرص العمل أمام شريحة واسعة من المعلمين الذين تلقوا تأهيلهم في مؤسسات فلسطينية راكمت خبرة طويلة في إعداد كوادر تعليمية تتعامل مع خصوصية الطلبة المقدسيين، ومع اشتراط الحصول على شهادة تدريس من مؤسسات الاحتلال، يجد المعلم نفسه أمام معادلة صعبة "إما تغيير جهة دراسته بما يحمله ذلك من أعباء مالية وثقافية ولغوية، أو القبول بتهميش مهني محتمل، أو البحث عن فرص عمل خارج محيطه الطبيعي".
هذا التضييق لا يعمل فقط على مستوى الوظيفة، بل يولد ضغطًا غير مباشر لإعادة توجيه الطلبة الجامعيين نحو مؤسسات بعينها، ليس بدافع القناعة الأكاديمية، بل بدافع الضرورة، ومع مرور الوقت، من المتوقع أن يرتفع الطلب على شهادات التدريس، بل وحتى شهادات التعليم الكاملة، من مؤسسات الاحتلال داخل القدس، باعتبارها الطريق "الأكثر أمانًا" لدخول سوق العمل، وهنا يتحول التعليم من عملية بناء مهني معرفي إلى مسار نفعي تحكمه شروط قانونية أكثر مما تحكمه معايير الجودة أو التخصص.
خصوصية القدس التعليمية، تجعل أثر هذا القانون أكثر تعقيدًا، لأن المدينة ليست بيئة تعليمية أحادية، بل فضاء تتعايش فيه أنظمة تعليمية متعددة "فلسطينية، وإسرائيلية، ودولية"، لذلك هذا التعدد، رغم ما يخلقه من تحديات، وفر على مدار سنوات مساحة من المرونة المهنية، ومكن المدارس من اختيار كوادر تعليمية تتلاءم مع هوية الطلبة وحاجاتهم اللغوية والثقافية، وبالتالي فإن فرض نموذج واحد للاعتراف بالشهادات في بيئة مركبة كهذه لا يعني بالضرورة توحيد المعايير، بل قد يؤدي إلى إقصاء خبرات قائمة دون تقديم بدائل حقيقية تعوّض هذا الإقصاء.
ولا تقاس الجودة التعليمية بمصدر الشهادة فقط، بل بكفاءة المعلم، وتكوينه المستمر، وقدرته على التواصل مع طلابه، وفهم السياق الاجتماعي والنفسي الذي يعمل داخله، لذلك فإن إقصاء شريحة من المعلمين بسبب جهة اعتماد شهاداتهم لا يضمن تلقائيًا سد فجوات تعليمية، بل قد يخلق فجوات جديدة تتمثل في نقص الكوادر، وارتفاع العبء على المعلمين القائمين، وتراجع الاستقرار المهني داخل المدارس.
كما أن ربط الاعتراف المهني بمؤسسة واحدة يحد من التنافس الأكاديمي، ويضعف حوافز التطوير لدى مؤسسات إعداد المعلمين الأخرى، بدل أن يفتح المجال أمام تحسين المعايير من خلال آليات تقييم مهنية عادلة وشفافة، ولا تستلزم حماية جودة التعليم بالضرورة تقييد المسارات المهنية، بل يمكن تحقيقها عبر اختبارات كفاءة، وبرامج استكمال، وتوحيد معايير مهنية دون إلغاء التعددية.
القدس الشرقية ليست مجرد مساحة جغرافية، بل بيئة تعليمية شديدة الحساسية، وأي تشريع يمس المعلم فيها ينعكس مباشرة على الطالب، وعلى المدرسة، وعلى النسيج المجتمعي ككل، لذلك فإن التعامل مع التعليم كملف مهني يتطلب مقاربة تراعي الواقع المركّب، وتحترم تنوع المسارات، وتوازن بين متطلبات الجودة وحق المعلم في مسار مهني عادل، دون تحويل القانون إلى أداة تعيد تشكيل التعليم بمعزل عن سياقه الحقيقي.
