هوية لا تُقتلع
غزة لا تعرف الغربة، تعرف فقط العودة. كلما أعلن عن وقف إطلاق النار، يتدفق الناس إلى بيوتهم المدمرة، إلى الركام الذي صار عنوانًا للأمان. ينصبون خيامهم فوق أنقاض الجدران التي كانت يومًا تحميهم، وكأنهم يرفعون راية تحدٍ في وجه العالم: هنا بيتنا، هنا مدينتنا، هنا نحن باقون. حتى المناطق المصنفة "حمراء"، والممنوع دخولها، لا تمنع الغزي من الاقتراب، من التمسك بأقرب نقطة من مدينته، ولو كان ذلك على مرمى حجر من بيت تحوّل إلى غبار.
هذا المشهد ليس مجرد حنين، بل موقف سياسي صلب. الغزي لا يتقبل فكرة النزوح، يعتبرها غربة، حتى لو كانت داخل حدود القطاع. الانتقال من حي إلى آخر يثقل قلبه بشعور التهجير، شعور يرفضه لكنه يُجبر عليه تحت ضغط القصف والقتل. أما من خرجوا إلى مصر أو دول أخرى، فهم يعيشون بأجسادهم هناك، لكن أرواحهم معلقة في غزة. لا يستطيعون استيعاب فكرة أنهم قد لا يعودون، لأن العودة بالنسبة لهم ليست احتمالًا، بل يقينًا داخليًا لا يتزعزع.
الناس تدفع أموالًا طائلة لتأمين نزوحها تحت النار، لكن ما إن يلوح الهدوء، ولو لحظة، حتى يعودون إلى بيوتهم. هذه العودة ليست مجرد حركة جسدية، بل فعل مقاومة، إعلان صريح أن أي مخطط أو اتفاق لن يقنع الغزي بالخروج من مكانه. فالوطن ليس جغرافيا فحسب، بل هو هوية وذاكرة ووجود.
غزة تكشف أن الأمان لا يُقاس بالراحة ولا بالسلامة المادية، بل بالارتباط الروحي بالأرض. الغزي يرفض أن يُعرّف كلاجئ أو نازح، ويصر على أن يكون حاضرًا في مدينته، حتى لو كانت مدمرة. لذلك، فإن أي مشروع لإبعاده عن أرضه محكوم بالفشل، لأن الغزي لا يساوم على وطنه، ولا يقبل أن يعيش غريبًا عنه.
العودة إلى الركام ليست ضعفًا، بل قوة، ليست استسلامًا، بل تحديًا، وليست مجرد حنين، بل موقفًا صلبًا أمام كل محاولات الاقتلاع. هي فعل وجودي، فعل يختصر معنى الانتماء، ويعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وأرضه. الغزي حين يعود إلى بيته المدمّر، لا يبحث عن مأوى، بل عن هوية، عن ذاكرة، عن جذور لا يمكن اقتلاعها.
حتى في أشد لحظات الخوف، حين يعلو صوت الطائرات ويهتز التراب تحت القصف، يبقى في داخله يقين أن العودة قادمة، وأنه مهما ابتعد جسده، فإن روحه ستظل معلقة في غزة. هذا الإصرار الجماعي يجعل من كل خيمة تُنصب فوق الركام علمًا صغيرًا يرفرف في وجه العالم، يعلن أن الأرض لا تُترك، وأن الغربة الحقيقية هي الابتعاد عنها.
غزة بهذا المعنى ليست مجرد مدينة، بل رمز عالمي للتمسك بالأرض والهوية. هي درس في أن الانتماء لا يُشترى ولا يُباع، وأن الإنسان قد يخسر كل شيء، لكنه لا يخسر جذوره. لذلك، فإن أي محاولة لإقناع الغزي بالرحيل أو الاستقرار بعيدًا عن بيته المدمّر ستظل محكومة بالفشل، لأن الغزي لا يساوم على وطنه، ولا يقبل أن يعيش غريبًا عنه، حتى لو كان الثمن أن يعيش بين أنقاض بيت تحوّل إلى ركام.
هذا التدفق السياسي والإنساني معًا يوضح أن غزة ليست مجرد قضية إنسانية، بل قضية وجودية وسياسية، وأن شعبها لا يفاوض على حقه في البقاء، ولا يقبل أن يُختزل في أرقام النزوح أو خرائط التهجير. غزة تقول للعالم بصوت واحد: نحن هنا، وسنظل هنا، مهما كان الثمن.