تاريخ النشر: 2026-11-02 | 10:06
تاريخ النشر: 2026-11-02 | 10:06
وعدت أحزاب المعارضة اليهودية الإسرائيلية ناخبيها بتشكيل حكومة من دون بنيامين نتنياهو، ومن دون الحريديم، ومن دون الأحزاب العربية، أي حكومة أقلية صهيونية. لكن نتائج الانتخابات وضعت هذه الوعود أمام اختبار الواقع، وفتحت الباب أمام خيارات استُبعدت خلال الحملة الانتخابية. فالمعارضة التي تعهدت بالتغيير تجد نفسها أمام معضلة تشكيل الحكومة، من دون أن تصارح ناخبيها بتناقض مواقفها. وإذا كان الوصول إلى الحكم يتطلب التفاهم مع أطراف استُبعدت مسبقاً، فما الذي بقي من تلك الوعود؟ تكشف هذه الانتخابات حدود المعارضة اليهودية الإسرائيلية: تريد إسقاط نتنياهو، لكنها لا تقدم بالضرورة بديلا سياسياً مختلفاً عنه في القضايا الجوهرية، ولا سيما ما يتعلق بالفلسطينيين.
من المتوقع أن يجتمع غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت ويائير غولان وأفيغدور ليبرمان مطلع الأسبوع، للمرة الأولى منذ الانتخابات، للاتفاق على استراتيجية مشتركة وتحديد خطواتهم المقبلة، وفي مقدمتها ما إذا كانوا سيحاولون الحصول على التكليف بتشكيل الحكومة قبل نتنياهو.
وتشير تقديرات داخل المعسكر إلى أن الخيار المفضل هو الحصول على التكليف أولاً، لما يتيحه من فرصة للسيطرة على الكنيست ودفع خطوات تشريعية قد تُستخدم في مواجهة نتنياهو. ويعزز هذا الاحتمال إعلان منصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحدة، نيته التوصية بمرشح هذا المعسكر، الأمر الذي قد يمنح آيزنكوت عددًا أكبر من التوصيات ويضع الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ أمام صعوبة تجاهل أفضليته.
لا يقتصر الصراع على التكليف على أسبقية تشكيل الحكومة، بل يتعلق أيضاً بالقدرة على التحكم في جدول أعمال الكنيست ودفع تشريعات ذات أهمية سياسية. فالحصول على التكليف قد يتيح للمعارضة تغيير رئاسة الكنيست، والتحرك نحو تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات السابع من أكتوبر، والدفع بقانون للتجنيد، بما يمنحها إنجازات يمكن توظيفها في أي انتخابات مقبلة.
ومن بين الأفكار المطروحة داخل معسكر التغيير إجراء انتخابات مباشرة استثنائية لاختيار رئيس الحكومة، في خطوة تستعيد اقتراحاً سبق أن طرحه نتنياهو عقب انتخابات مارس/آذار 2021، حين لم يتمكن أي من المعسكرين من حسم الأغلبية. وكان الليكود قد روّج آنذاك للانتخابات المباشرة باعتبارها مخرجًا من المأزق السياسي، مع إمكان تشكيل حكومة أقلية من دون تغيير تركيبة الكنيست أو الاعتماد على الأحزاب العربية.
وتكشف إعادة طرح الفكرة اليوم عن مفارقة سياسية: يسعى معسكر آيزنكوت إلى الاستفادة من أصوات الناخبين العرب المتوقّع أن تصوّت ضد نتنياهو، مع تجنب الاعتماد المباشر على القائمة العربية الموحدة والقائمة المشتركة في تشكيل الحكومة. أي إنه يريد الاستفادة من الصوت العربي انتخابيًا، من دون أن يحسم موقفه من الشراكة السياسية مع ممثليه.
لكن هذه الخيارات لا تزال قيد البحث، ولم يُتخذ قرار نهائي بشأنها. كما أن تنفيذ خطوات تشريعية داخل الكنيست يتطلب، في بعض الحالات، دعم القائمة العربية الموحدة على الأقل، وهو ما يعيد إلى الواجهة التناقض بين استبعاد الأحزاب العربية علناً والحاجة إلى أصواتها عملياً.
لا يزال موقف ليبرمان من هذه الخيارات غير واضح. فقد أعلن أنه تلقى عروضاً لتولي رئاسة الكنيست مؤقتاً، لكنه لا يرغب في المنصب. ويرى بعض أطراف معسكر التغيير أن توليه هذا الموقع قد يسهل دفع خطوات تشريعية مهمة، فيما لم يستبعد ليبرمان أن يتولاه شخص مقرّب منه، مثل عضو الكنيست عوديد فورر.
وفي المقابل، قد يفضّل المعسكر تأجيل حصوله على التكليف، لإظهار أن نتنياهو استنفد فرصه أولاً، وأن المعارضة بذلت بدورها ما تستطيع لتشكيل الحكومة. وقد استخدم هذا المنطق في عام 2021، حين كان فشل نتنياهو في تشكيل الحكومة خطوة مهمة لتبرير الانتقال إلى بدائل سياسية، انتهت بتشكيل حكومة بينيت لبيد بدعم من منصور عباس.
لم يُحسم القرار بعد، لكن احتمال محاولة معسكر التغيير الحصول على التكليف قبل نتنياهو يبدو أكبر. وتبقى المسألة مرتبطة أيضًا بكيفية تصرف هرتسوغ إذا لم يحصل أي مرشح على توصية 61 عضوًا في الكنيست: هل سيكلف المرشح الذي يحظى بأكبر عدد من التوصيات، أم سيعتمد على تقديره الشخصي؟
لا تكمن المعضلة في هوية من سيحصل على التكليف أولاً فحسب، بل في طبيعة التغيير الذي تعد به المعارضة. فالتخلص من نتنياهو لا يعني بالضرورة تغيير السياسات التي حكمت إسرائيل، ولا سيما تجاه الفلسطينيين. كما أن استبعاد الأحزاب العربية من الخطاب الانتخابي، ثم العودة إلى حساب أصواتها عند تشكيل الحكومة، يكشف حدود الشراكة السياسية التي تقبل بها المعارضة اليهودية الإسرائيلية. ويكشف موقف معسكر التغيير من مزاعم نتنياهو والليكود بشأن تزوير الانتخابات وتلقي القوائم العربية أموالاً من الخارج، ومحاولات نزع الشرعية عنها، عن جانب آخر من هذه المعضلة، إذ لم يواجه المعسكر هذه الادعاءات بما يكفي من الوضوح، رغم ما تنطوي عليه من استهداف سياسي للعرب الفلسطينيين في إسرائيل والطعن في شرعية تمثيلهم السياسي. إنها تريد تغيير الحكومة، لكن السؤال الذي لم تجب عنه بعد هو: هل تريد تغيير النهج السياسي أيضاً؟