مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

هيكل وديغول.. ولغة الخرائط

هيكل وديغول.. ولغة الخرائط

تاريخ النشر: 2023-02-19 | 16:27

عبدالله السناوي
عبدالله السناوي

لم يكن الرئيس الفرنسي شارل ديغول بخلفيته العسكرية مستعداً لأن يستمع لمداخلات دبلوماسية معتادة ومطولة تمهد للحوار وأهدافه.
وكان ضيفه القادم من القاهرة، مقدراً دوره التاريخي في الحرب العالمية الثانية كأحد أبطالها الكبار، قد هيأ نفسه في طريقه ل«قصر الإليزيه» لسيناريو يسجل فيه- أولاً- ما رأى أن الرجل يستحقه بأدواره الاستثنائية في تحرير بلاده من تحية ينقلها إليه باسم الرئيس المصري جمال عبد الناصر.. ثم ينتقل- ثانياً- إلى العلاقات التاريخية والتقليدية بين فرنسا ومصر ويؤكد على استمرارها.. قبل أن يصل- ثالثاً- إلى رسالته وموضوعها.

«عال يا مسيو هيكل.. قل لي ماذا تريد بالضبط؟!». «سقطت كل التمهيدات التي هيأت نفسي لها ذات صباح من سبتمبر/أيلول عام 1967».

«التفت إلى أن الرجل التاريخي يجلس خلف مكتبه على فوتيل كبير لكنه ثابت، لا يتحرك يميناً أو يساراً على ما اعتاد زعماء آخرون، وأن المباشرة من مقومات شخصيته ». «دخلت إلى موضوعي وفيه رهان على دور لديغول بعد نكسة يونيو/حزيران يخفف من وطأة الانحيازات الغربية».

«كان تقدير عبدالناصر أننا نحتاج إلى طرف آخر عبر المتوسط في أوروبا يتصرف على نحو مستقل ومختلف عن واشنطن». لم تسعفه تغطيته لمؤتمرين صحفيين أوائل عام 1944 في ذروة الحرب العالمية الثانية تكلم فيهما ديغول عن المقاومة الفرنسية ومواقفها في التعرف إلى شخصيته. في ذلك الوقت كان الزعيم الفرنسي يعمل من مكتب في حي «غاردن سيتي» ويقيم بشقة تطل على نادي الجزيرة في حي «الزمالك».

بجملة قاطعة ذات صباح في قصر الإليزيه انفتحت أمامه مغاليق شخصية أحد عمالقة القرن العشرين، لكن أكثر ما استلفت انتباهه في ذلك اللقاء عناية ديغول بالخرائط، «وهذه من طبائع العمل العسكري».

بعد ذلك فإنه «كرجل دولة يصعب عليه إدارة ملفات الأمن القومي لبلاده ومصالحها الاستراتيجية والاقتصادية، ما لم يمتد نظره إلى ما حوله في محيطه وعالمه على خرائط».

طلب ديغول خريطة وضعها أمام ضيفه: «انظر أمامك يا مسيو هيكل.. هذه مساحة العالم العربي.. وهذه مساحة إسرائيل، الهزيمة التي لحقت بكم مؤقتة بطبيعة الجغرافيا والحقائق السكانية فوقها، الوضع لا ينبغي أن يخيف، ومن ينظر عندكم إلى الخريطة لا بد أن يستشعر ثقة في مسار المستقبل».

بلغة الخرائط أجاب ديغول على رسالة عبدالناصر: «اطمئن».. وكان ذلك أكثر مما توقعت القاهرة من باريس في أحوال ما بعد (5) يونيو.

«ما الذي جرى للمكان وعبقريته وكيف وصلنا إلى هنا؟» كان ذلك سؤالاً قلقاً طرحه هيكل فيما بعد على راهب الجغرافيا الدكتور

جمال حمدان. أجابه: «حركة التاريخ الدائمة قد تكون أحياناً إلى أسفل.. شهدنا انقلاباً لأنه كان بين السكان من لم يقدر ولم يرعَ حرمة وحق المكان». في ذلك الصباح الباريسي ترسخ لديه أن «الصحفي بدوره لا يقدر على قراءة المشاهد المتحركة بتفاعلاتها وتعقيداتها، ما لم تكن الخريطة ماثلة أمامه».

في حواراته المطولة مع صديق ديغول ووزير ثقافته أندريه مالرو، صاحب رواية «الأمل»، تبدّت نقطة تنوير جديدة لدوره هو في تجربة أخرى على الجانب الآخر من المتوسط. كلاهما ارتبط برجل تاريخي، أحدهما اقترب برؤية المثقف والآخر بموهبة الصحفي.

ذات صباح آخر على مائدة إفطار في بيته دار حوار مثير في موضوعه وتفاصيله مع الدكتور إدوارد سعيد صاحب «الاستشراق» حول المثقف والسلطة. كان رأي سعيد، وقد نشرته ضمن حوار معه منتصف تسعينات القرن الماضي: «المثقف يكفّ أن يكون مثقفاً عندما يقترب من السلطة».

سألته: «حتى أندريه مالرو؟!». أجاب سعيد: «نعم».

وكان رأي هيكل: «أن التعريف على استقامته فيه تعسف، فماذا يفعل مالرو وصديقه الجنرال الذي أعلن المقاومة بعد هزيمة بلاده واحتلال عاصمتها أصبح رئيساً لفرنسا؟.. هل تقترح أن يقطع علاقته به وأن يعترض على تولي وزارة الثقافة الفرنسية حتى يكون بالتعريف مثقفاً؟».

في نهاية المساجلة بين صديقين، أبدى سعيد تفهمه أن هناك حالات في التاريخ تستعصي على التعريف الذي اعتمده تدخل فيها علاقة محمد حسنين هيكل بجمال عبدالناصر.

«الطريق إلى فهم السياسة يبدأ بالنظر إلى الخريطة».

إيماءة ديغول للخرائط وقراءتها أكدت ما كان مقتنعاً به من تجاربه في تغطية الحروب، ف«أنت لا تستطيع كمراسل عسكري أن تستوعب مسارات الحرب ما لم تكن الخريطة أمامك».

«الخريطة لا تتحرك.. الأطراف هي التي تتغير». و«الجغرافيا مجرد وعاء يصبّ فيه التاريخ». «كل خطوات التاريخ تقودك إلى الجغرافيا».

«في كل الحروب فإنها مرجعيتك الكبرى لفهم ما يجري حولك، لا يمكنك أن تقرأ حرب السويس على نحو متكامل دون أن تطل على خرائط قبرص ومالطة كساحتين خلفيتين للحرب».

«لا يمكن أن تفهم ما هو جوهري بلا خريطة ترشدك وتهديك إلى حقائق ثابتة وتفسح المجال أمامك للانتقال مما هو تكتيكي إلى ما هو استراتيجي». كانت الحرب ومواقعها مدخله إلى الجغرافيا وخرائطها.

وبدت إيماءة «ديغول» إلهاماً جديداً لعناية أكبر بالخرائط أخذت بالوقت تتسع حتى احتلت نسخٌ نادرة لثلاث خرائط مصرية قديمة حائطاً خلف مكتبه وأزاحت لوحات تشكيلية لفنانين كبار عالميين ومصريين.

قرب مئويته تحتاج تجربة «هيكل» العريضة في الصحافة والسياسة إلى قراءات معمقة جديدة، لعلها تساعد في فهم ظاهرته، وتأثيره الممتد رغم غيابه منذ سبع سنوات.
عن الخليج الإماراتية

×
أخبار
باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط