مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

هزيمة الاحتلال أمام سلطة الصورة وسردية السينمائيين

هزيمة الاحتلال أمام سلطة الصورة وسردية السينمائيين

تاريخ النشر: 2026-05-24 | 19:20

في خضم الدمار الشامل والهجوم الدامي الذي يشهده قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، قد يبدو الحديث عن الفنون والسينما والثقافة ضرباً من الترف أمام وطأة الموت الحاضر. بيد أن القراءة المتأنية للمشهد تؤكد أن ما يشهده الفضاء الثقافي العالمي اليوم ليس هامشاً عابراً في هذه الحرب، بل هو إحدى أكثر جبهاتها استراتيجية وعمقاً.
من مهرجان برلين السينمائي الدولي، مروراً ببينالي البندقية ومهرجان كان، وصولاً إلى أروقة جوائز الأوسكار ومسرح مسابقة "يوروفيجن" الغنائية، بات الحراك الثقافي الفلسطيني، ولا سيما الفن السابع، يمثل رأس الحربة في مواجهة أخلاقية وثقافية شرسة مع منظومة الاحتلال. لم تعد المعركة مقتصرة على التدافع العسكري والميداني أو الميدان الدبلوماسي والإعلامي، بل أضحت معركة "وعي وصورة وسردية"، يعاد تشكيلها بوعي كوني جديد.
لقد جهد كيان الاحتلال لعقود في تسويق نفسه دولياً بوصفه "الواحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، لكنه بات اليوم يفقد حظوته الأخلاقية أمام ذات العدسات والكاميرات التي وظفها سابقاً لتلميع صورته. في هذه المحطة الفاصلة، لم يعد الفلسطيني وحده من يروي المأساة؛ بل غدت الصورة ذاتها بليغة وناطقة ومكتفية بذاتها؛ صورة طفل ينبثق من تحت الركام، وصحفي يُغتال على الهواء مباشرة، وجامعات تُسوى بالأرض، وحواضر مدنية تتحول إلى رماد. هذه الشواهد البصرية المروعة غادرت جغرافيا غزة المحاصرة لتستقر في صلب الوعي العالمي، متجسدة في الأفلام، وقاعات الجامعات، والمسارح، والمتاحف.
لذلك، فإن التحولات الراهنة في المشهد الثقافي الغربي ليست مجرد تفاصيل هامشية، بل هي تغير بنيوي حقيقي. ففي بينالي البندقية للفنون، أعلنت لجنة تحكيم كاملة استقالتها، وأُغلقت أجنحة، وانسحب أكثر من خمسين فناناً وستة عشر جناحاً وطنياً احتجاجاً على مشاركة كيان متهم بارتكاب إبادة جماعية، بينما توشحت ردهات المعرض بالأعلام الفلسطينية ولافتات تطالب بوقف الحرب. وفي مهرجان برلين، طفت الخلافات الحادة إلى العلن من خلال خطابات الاحتجاج، كاشفة عن انقسام حاد داخل المؤسسة الثقافية الأوروبية حول حدود حرية التعبير وحق المظلوم في رفع صوته. أما في مهرجان "كان"، فقد تبدى التوتر كامناً خلف السجادة الحمراء؛ إذ سعى مدير المهرجان، تييري فريمو، إلى النأي بالمحفل عن السجالات المباشرة بدعوى أن "مكان السياسة هو الأفلام لا لجان التحكيم"، في محاولة لتفادي انفجار مماثل لما حدث في برلين والبندقية، لكن المقاطعة والبيانات وصناع السينما الفلسطينية فرضوا حضورهم رغماً عن القيود.
إن انضمام أكثر من ألفي فنان ومثقف عالمي لبيانات المقاطعة الأكاديمية والثقافية للاحتلال، وبروز أصوات نجوم عالميين من طراز سوزان ساراندون، مارك رافالو، خواكين فينيكس، وبينيلوبي كروز، يعكس اتساع رقعة هذا التضامن. ولم يقتصر الأمر على الفن؛ بل امتد إلى انسحاب هيئات بث من "يوروفيجن"، وحراك طلابي عارم في الجامعات الغربية قادته رموز شبابية مثل غريتا ثونبرغ، للمطالبة بقطع العلاقات مع المؤسسات الأكاديمية المتواطئة مع الفصل العنصري والإبادة.
وفي المقابل، لم تكن السينما الفلسطينية مجرد صدى للحدث، بل كانت فاعلاً أصيلاً؛ إذ شهد مهرجان "كان" تكريم الفنان القدير محمد بكري، الذي يمثل بملامحه وصوته مسيرة النضال الثقافي الفلسطيني لعقود. كما حصدت السينما الفلسطينية جوائز رفيعة؛ حيث فاز فيلم "كان يا ما كان في غزة" للمخرجين طرزان وعرب ناصر، وحازت المخرجة آن ماري جاسر جائزة أفضل سيناريو عن فيلمها "فلسطين 36"، الذي يستحضر جذور الثورة الفلسطينية ضد الانتداب البريطاني. لقد بدت فلسطين وكأنها تسير في أروقة المهرجانات الدولية كافة؛ تارة كذاكرة حية، وتارة كفيلم سينمائي، وتارة كاحتجاج متمرد، وتارة أخرى كإنجاز وتكريم.
هنا يتجلى منعطف غير مسبوق في التاريخ الفلسطيني الحديث؛ فلأول مرة، ينجح السينمائيون والفنانون الفلسطينيون، مسنودين بحركات التضامن الدولية، في تحقيق انتصار تراكمي حاسم على جبهة الوعي والرواية والصورة الأخلاقية. إزاء هذا "الطوفان الثقافي" المتدفق بالتوازي مع الصمود الميداني، يجد الاحتلال نفسه متفوقاً في ترسانته العسكرية القادرة على القتل والتدمير، لكنه يواجه هزائم منكرة ومتلاحقة في حربه الثقافية والفنية.
إن الثقافة لا تُقصف بالطائرات، والفن لا تقهره الدبابات، والصورة التي خرجت من عمق غزة ومأساتها عصية على الإعادة إلى عتمة النسيان. من هزيمة إلى أخرى تتراجع السردية الصهيونية، بينما يمضي المبدع الفلسطيني ومعه أحرار العالم من نصر إلى نصر، مثبتين أن الجبهة الثقافية، بجذورها التاريخية الضاربة، هي إحدى أدوات النضال الأكثر تأثيراً وحضوراً في العصر الحديث. ولعل هذا ما يفسر خشية الاحتلال من الكاميرا وصناعها؛ فالرصاصة قد تنهي حياة إنسان، أما الصورة الصادقة فتغتال الكذبة من أساسها.

×
أخبار
صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط