مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

هجرتُك، وتهجيري أيها الصحفي؟

هجرتُك، وتهجيري أيها الصحفي؟

تاريخ النشر: 2025-05-21 | 10:20

سأظل أتذكر مقالا كتبه الصحفيُ الإسرائيلي، سيفر بلوتسكر المحلل الاقتصادي لصحيفة يديعوت أحرونوت منذ سنوات بمناسبة إعلان قيام إسرائيل، أثارني هذا المقال، لأنه يتعلق بمعاناة أسرته اللاجئة في بلدان العالم! سرد الصحفي، سيفر بلوتسكر في مقاله حالة اللجوء التي تعرضتْ لها أسرتُه اليهودية منذ ولادته وحتى وصوله إلى أرض الميعاد، قال: "ولدتُ في بولندا، ثم هاجرتْ أسرتي إلى روسيا ثم عادت الأسرة مرة ثانية في هجرة ثالثة إلى بولندا، ثم أخيرا في إسرائيل"!

أما أنا يا سيد بلوتسكر في الذكرى السابعة والسبعين لإعلان دولتكم، أنا صاحبُ البيت الذي بناه جدي في أرضي بيديه، هو اليوم أصبح مِلكا حصريا لمهاجرٍ يهودي يمني، ولدتُ قبل إعلان تأسيس دولتكم بتسعة شهور في قريتي، بيت طيما، إليك مسلسل تهجيري:

بدأ تهجيرينا الأول يوم تأسيس دولتكم في الخامس عشر من شهر مايو 1948 حين احتضنتني والدتي من سرير نومي المصنوع من خشب زيتوننا وبرتقالنا، هُجِّرنا في اتجاه الغرب إلى حيث البحر هروبا من قصف كتائب جيشكم المسلحة ومن قنابل الطائرات، خرجت عائلتي كلها من بيت جدي المملوء بحبوب الذرة والقمح والشعير، كنا نسير جوعى، رفض جدي التهجير وقال اعتزازا بحقله وبيته: "سأبقى في أرضي، جذوري هنا؟" حاول والدي إجباره على الخروج، ولكنه تشبث بفرشة نومه المملوءة بصوف خرافه، إلى جوار بكرج القهوة المملوء بقهوته المطحونة بمصحان صنعه من فرعٍ من شجرة الليمون!

كنا نظنَّ أن هذا التهجير مؤقتٌ، وأننا سنعود بعده إلى بيتنا وحقولنا بعد وقت وجيز، كانتْ حياتنا في غزة تعتمد على ما تقدمه وكالة الأونروا لنا من غذاء بسيط ومسكنٍ في خيمة صغيرة، ولكنَّنا لم نتمكن من العودة إلى بيت جدي مرة أخرى، عاد والدي متسللا لبيت جدي، كان ما يزال آملا أن يجد والده حيا، ولكنه وجد جدي المزارع البريء مقتولا برصاصة في الرأس، فاضطر لأن يحفر له قبرا ويدفنه في بيته!

كنا في غزة نجاور البحر، نوقد من بقايا قطرات نفط السفن المتجمدة، التي تلقيها الأمواج على الشاطئ لنصنع الطعام، كانت مياه شربنا تَضخ من حفرة عميقة صنعتها وكالة الأونروا بمضخة يدوية صغيرة لكل المهجرين من بيوتهم، كانت مياهها مالحة، كنا ما نزال مقتنعين بأن حالنا سيتغير وسنعود من جديد لشرب شهد ماء بئرنا الحلوة في قريتنا الأصلية، كنتُ أنا يا سيد بلوتسكر أسيرُ أكثر من أربعة كيلو مترات على قدمي الحافيتين لأصل إلى المدرسة الابتدائية البعيدة عن بيتنا، ولم أكن أملك حذاء مناسبا أو حقيبة مدرسية، كانت حقيبة مدرستي قطعتين من فستانٍ بالٍ صنعته أمي لأضع فيها كتبي ودفاتري وقلم الرصاص!

كنتُ أحملُ في الصباح في هذه الحقيبة رغيفا واحدا مقسوما نصفين، أشتري بنصف الرغيف قرصين من الفلافل، لأمضغها مع النصف الثاني!

كان معظمنا يعاني من عدة أمراضٍ أهمها، مرض الأنيميا ومرض الإصابة بدودة الإنكلستوما التي تتغذى على الدم!

أما التهجير الثاني فقد كان عندما التحقت بجامعة القاهرة لأكمل دراستي الجامعية، حين اشتعلت حرب عام 1967م وكنتُ قد أنهيت دراستي في القاهرة، فقد حُرمت من العودة حتى إلى مركز لجوئي الأول في غزة، صرتُ مُهجَّرا في القاهرة، بدلا من بيت جدي الأول في قريتي، وبدلا من خيمتي وغرفة القرميد في غزة مركز تهجيري الأول!

بعد جهدٍ تمكنت من الحصول على عقد عمل في الجزائر، لتكون الجزائر مقرا لتهجيري الثالث، كانت المشكلة يا سيد بلوتسكر كيف أتمكن من جمع ثمن تذكرة الطائرة من القاهرة إلى الجزائر، أخيرا تمكنت من اقتراض مبلغ من صديقين، وصلتُ الجزائر وتمكنتُ من الحصول على وظيفة، بقيتُ في الجزائر ست سنوات!

قررتُ أن أتزوج من فناة فلسطينية، حتى يظل بيت جدي يسكنني في تهجيري الرابع إلى دولة أخرى وهي ليبيا، حيث مكثت مهجرا فيها سبع سنوات كاملة، أنجبتُ فيها بنتا وولدا، قضيتُ عطلتي في قبرص لأتمكن من تسجيلهما في سفارتكم هناك، لأن غزة كانت محتلة من جيشكم، ظللتُ أنا مشردا لا أملك هوية المواطن، فانا محتاجٌ إلى جمع الشمل بأسرتي!

وفي تهجيري الرابع قررتُ أن أستغل فرصة وجودي في العطلة الصيفية في الأردن، وأتقدم بطلب عمل في المملكة العربية السعودية، لذلك غيرتُ مركز إقامتي لأصبح مهجرا للمرة الرابعة في السعودية، حيث قضيتُ فيها عشر سنوات كاملة، إلى أن قررتُ أن أعيد أسرتي إلى مقر تهجيري الثاني في غزة، لعل زوجتي وابنيَّ يتمكنون من الحصول على جمع شملي في غزة، بالقرب من بيت جدي الذي لا يبعد عن غزة سوى أقل من عشرين كيلومترٍ!

بقيتُ في السعودية وحيدا مدة عام كامل، إلى أن وصلني الخبرُ السعيد وهو أنني لم أعد مهجَّرا بل سأعود إلى مهجري الأول في غزة، حيث تمكنت بكل ما جمعته من نقود أن أشتري ثلاث شقق بالتقسيط، واحدة لي وثانية لابنتي وثالثة لأبني، عشتُ في حلم سعيد، وهو أنني قريب من بيت جدي، ومن سرير ولادتي، وأنني لم أعد مهجرا ولم أعد مطالبا بالخضوع لإجراءات الحصول على إقامة، وضرورة حمل هذه الإقامة في جيبي في كل مكان أدخله!

أنا اليوم يا سيد بروكر خسرت في مهاجري كل ممتلكاتي، فقد تركتها بكامل أثاثها، لم أكن أتوقع يوما أن كلَّ ما جمعتُه من حصيلة التهجير سوف يتقوض من جديد في حرب الإبادة يوم السابع من أكتوبر عام 2023م، وأنني لن أحظى حتى بقبرٍ قريب من بيت جدي يضم رفاتي، فقد دمرت طائراتكم شقتي وشقة ابنتي وشقة ابني، حتى كتبي وملابسي سُرقت وكل ما أملكه، بصعوبة تمكنتُ من جمع بقايا ما أملكه من مال لأتمكن من أن أعود مهجرا ومعذَّبا جديدا في تهجيرٍ خامس قاسٍ في هذا العمر المتأخر لأدفن بعيدا عن بيت جدي!

هذا هو الفرق بيني وبينك أيها الصحفي، سيفر بلوتسكر، فأنت قد أنهيتَ هجرتك برجوعك إلى أرضي، أما أنا فقد هُجِّرتُ من بيت جدي وأرضي وحقلي لأموت مهجرا في بلاد الغربة، فمن هو المهجَّر الأكثر تعذيبا؟! 

×
أخبار
باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط