مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

نازا: عندما يتحول الانتقام إلى منظومة قتل

نازا: عندما يتحول الانتقام إلى منظومة قتل

تاريخ النشر: 2026-09-17 | 11:47

حسن لافي
حسن لافي

لا تكمن أهمية فيلم «نازا» في أنه يكشف استخدام إسرائيل للذكاء الاصطناعي في حرب غزة؛ فهذا الجانب سبق أن كشفت عنه تحقيقات صحفية. الأهم أن الفيلم يضع أمامنا شيئًا أكثر خطورة: منظومة قتل إسرائيلية كاملة، يتحول فيها الإنسان من شخص له حياة وعائلة وقيمة إلى رقم يدخل في حساب العملية العسكرية.
الفيلم، الذي أخرجه الإسرائيليان "يوفال أبراهام" و"راشيل تسور"، يستند إلى شهادات 24 من الجنود وضباط الاستخبارات الإسرائيليين، ويكشف أنظمة استهداف ومراقبة وقتل عن بُعد. وتقول الشهادات إن هذه المنظومات أتاحت إنتاج أهداف بأعداد كبيرة، مع معرفة مسبقة أحيانًا بوجود مدنيين، بينهم أطفال، في الأماكن المستهدفة. وقد نفت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ما يورده الفيلم بعد الفضيحة التي كشفها، مدعية أن قرارات الاستهداف والموافقة على الضربات يتخذها بشر. لكن أهمية «نازا» ليست في إثبات أن الآلة تضغط على الزناد، بل في كشف كيف تعمل المؤسسة التي تستخدم الآلة لتوسيع قدرتها على القتل.

من الانتقام إلى نظام العمل
بعد السابع من أكتوبر، لم يعد الانتقام مجرد خطاب سياسي أو شعور عام في الشارع الإسرائيلي. دخل هذا المناخ إلى بيئة العمل العسكري نفسها: إلى سرعة إنتاج الأهداف، وطريقة تصنيفها، ومقدار الخسائر المدنية التي يمكن قبولها للوصول إليها.
كشفت تحقيقات «+972» و«Local Call» عن منظومات مثل Lavender «لافاندر» التي صنّفت أعدادًا ضخمة من الفلسطينيين بوصفهم أهدافًا محتملة، وعن نظام Where’s Daddy? «أين أبي؟» الذي كان يتتبع وجود الهدف في منزله. وبحسب شهادات ضباط استخبارات، استُخدمت هذه الأنظمة في استهداف أشخاص داخل منازلهم، مع معرفة أن عائلاتهم قد تكون موجودة معهم.
المسألة إذن ليست أن جنديًا غاضبًا ضغط على الزناد، ولا أن آلة قررت وحدها قتل عائلة.
المسألة أن مؤسسة كاملة أعادت تعريف ما يمكن أن يكون ثمنًا مقبولًا للوصول إلى الهدف.

من يضع سعر الهدف؟
هنا تظهر المسألة الأكثر خطورة.
فالقرار العسكري لا يقتصر على تحديد من هو الهدف، بل يمتد إلى سؤال آخر: كم يمكن أن يدفع من المدنيين للوصول إليه؟
عندما تصبح قيمة الهدف عاملًا في تحديد مقدار الخسائر المدنية المقبولة، تدخل حياة البشر في معادلة عسكرية لها سقف وحدود ونسب.
هدف أقل أهمية قد يقابله عدد أقل من الخسائر المقبولة،أما الهدف الذي يُنظر إليه باعتباره ذا قيمة عسكرية عالية، فقد ترتفع معه الخسائر التي تستطيع المؤسسة تحملها.
وهنا لا يعود السؤال فقط: من هو الهدف؟
بل: من وضع سعره؟ ومن وضع السعر الذي يمكن دفعه من حياة المدنيين للوصول إليه؟
هذه هي النقطة التي تجعل «الضرر الجانبي» أكثر من مجرد نتيجة غير مقصودة. فحين تدخل أعداد المدنيين المتوقع مقتلهم في عملية اتخاذ القرار، يصبح موتهم جزءًا من حساب العملية قبل تنفيذها. وقد تحدث تحقيق «+972» عن مستويات محددة من الخسائر المدنية كانت تُقبل في مراحل مختلفة من الحرب، بما في ذلك أعداد كبيرة عند استهداف قادة عسكريين كبار.

نوفل والبياري: عندما يصبح الحساب واقعًا
في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2023، استهدفت غارة إسرائيلية أيمن نوفل، قائد لواء الوسطى في كتائب القسام وأحد أبرز قادة الجناح العسكري لحماس، في مخيم البريج.
بحسب تحقيق «+972»، قال مصدر استخباراتي إسرائيلي إن الجيش أجاز في تلك الضربة قتل نحو 300 مدني. وهذا الرقم لا يعني أن 300 مدني قُتلوا بالفعل؛ بل يتعلق، وفق الشهادة، بمستوى الخسائر المدنية التي كان يمكن قبولها عند تنفيذ الضربة. التحقيق نفسه نقل عن مصادر أخرى أرقامًا مختلفة.
وهنا تكمن أهمية الحالة، قبل سقوط القنبلة، كانت حياة المدنيين قد دخلت الحساب.
وبعد الضربة، تصبح المسألة قابلة للقياس على الأرض: كم شخصًا قُتل؟ كم طفلًا؟ كم عائلة؟ وكم منزلًا تحول إلى ركام؟
أما إبراهيم البياري، قائد كتيبة جباليا المركزية في كتائب القسام، فقد استُهدف في مخيم جباليا في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وثقت Airwars مقتل ما لا يقل عن 126 مدنيًا في الضربة، بينهم 68 طفلًا، وإصابة نحو 280 آخرين، بينما أكدت إسرائيل أن البياري و«قاعدته» كانا هدف الضربة.
نوفل يكشف لنا الحساب قبل الضربة، والبياري يكشف ماذا يحدث عندما يتحول الحساب إلى واقع.
هنا يصبح الفرق بين الرقم قبل الضربة والرقم بعدها كاشفًا.
قبل الضربة: أرواح تدخل في حساب المخاطر المقبولة.
بعد الضربة: تتحول تلك الأرواح إلى حصيلة.
لكن خلف الحصيلة أسماء، وأطفال، وعائلات، وبيوت كاملة.

من الإنسان إلى الرقم
ثمة مفارقة تكشف جانبًا أعمق من هذه المنظومة.
الإسرائيلي القتيل يُستعاد اسمه وصورته وعائلته وسيرته. يُذكر عمره وبلدته وأهله، ويُقدَّم بوصفه شخصًا له حياة انتهت.
أما الفلسطيني القتيل، فكثيرًا ما يدخل الخطاب الإسرائيلي بوصفه رقمًا: عددًا من القتلى، أو نسبة من الخسائر، أو «ضررًا جانبيًا»، وهنا تصبح اللغة جزءًا من المشكلة.
فالإنسان الذي يُذكر باسمه يبقى حاضرًا بوصفه إنسانًا حتى بعد موته. أما الإنسان الذي يُختزل إلى رقم، فيصبح أسهل على المؤسسة والمجتمع أن يتعاملا مع موته باعتباره كلفة.
وحين يقترن ذلك بخطاب نزع الإنسانية، كما في تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك يوآف غالانت، الذي وصف الفلسطينيين بأنهم «حيوانات بشرية»، تصبح الصورة أكثر خطورة:
اللغة تنزع الإنسانية، والمنظومة تحول الإنسان إلى رقم، والقنبلة تحول الرقم إلى جثة.
المسألة هنا ليست مجرد قسوة في التعبير؛ إنها سلسلة واحدة: نزع الإنسانية يسبق نزع الحياة.

الانتقام حين يصبح ثقافة مؤسسة
الانتقام لا يصبح جزءًا من المؤسسة لأنه كُتب في وثيقة، بل لأنه يبدأ في تغيير ما تعتبره المؤسسة طبيعيًا ومقبولًا،أن يرتفع عدد المدنيين الذين يمكن أن يموتوا كلما ارتفعت قيمة الهدف، أن تصبح سرعة إنتاج الأهداف أهم من التدقيق فيها، أن يصبح المنزل مكانًا مناسبًا للضربة لأن الهدف موجود فيه، حتى عندما تكون عائلته حوله.
عندها لا يكون الانتقام بندًا في نموذج الاستهداف؛ يصبح مناخًا مؤسسيًا يؤثر في قواعد الاستهداف نفسها.
وهذا هو الفارق بين جندي يتصرف بدافع الانتقام وبين مؤسسة تتغير حساسيتها تجاه حياة المدنيين تحت تأثير بيئة انتقامية.
الأول قد يكون انحرافًا فرديًا. أما الثاني فهو تحول في طريقة عمل المؤسسة.

عندما تتوزع المسؤولية
الأخطر في هذه المنظومة أنها لا تحتاج إلى قاتل واحد يتحمل المسؤولية كلها.
هناك من يجمع المعلومات، ومن يصنف الهدف، ومن يتتبعه، ومن يقدّر عدد المدنيين الموجودين معه، ومن يحدد مستوى الخسارة المقبولة، ومن يختار السلاح، ومن يمنح الإذن، ومن ينفذ الضربة.
في فرقة الإعدام تُوزع الرصاصة حتى لا يعرف الجميع من يحمل الرصاصة القاتلة.
أما في منظومة الاغتيال الاسرائيلية الحديثة، فلا تتوزع الرصاصة وحدها؛ تتوزع المعلومة، والتصنيف، والتقدير، والقرار، والتنفيذ، ثم تتوزع المسؤولية بينها جميعًا.
وهنا تكمن قوة المنظومة: لا يحتاج القتل إلى قاتل واحد، بل إلى سلسلة أشخاص يؤدون وظائف تبدو منفصلة، لكنها تلتقي في النهاية عند الجثة نفسها.
وهذا لا يعني أن أحدًا لا يتحمل المسؤولية. بل يعني أن المسؤولية تصبح موزعة بطريقة تجعل كل حلقة قادرة على رؤية نفسها باعتبارها جزءًا من عملية تقنية أو استخباراتية أو عسكرية، بدل مواجهة الفعل النهائي بوصفه قتلًا لإنسان.
وتصبح التكنولوجيا جزءًا من هذه العملية، لا لأنها تقتل من تلقاء نفسها، بل لأنها تسمح بتوسيع قدرة المؤسسة على إنتاج الأهداف، وتسريعها، وتوزيع المسؤولية، وتقليل الاحتكاك الإنساني بالفعل نفسه.
جيش الشعب... أم مرآة الشعب؟
وهنا يصبح من الصعب اختزال ما تكشفه «نازا» في أخطاء جنود أو ضباط أو في حكومة نتنياهو وحدها.
فالجيش الإسرائيلي يقدّم نفسه بوصفه «جيش الشعب»؛ مؤسسة تجمع مكونات المجتمع الإسرائيلي وتعمل، بحكم التجنيد الإلزامي، في مساحة شديدة التداخل مع المجتمع.
لذلك فإن ما يجري داخل الجيش لا يمكن التعامل معه دائمًا باعتباره سلوك مؤسسة منفصلة عن البيئة الاجتماعية التي تنتج أفرادها وقيمها.
إذا تحولت هذه المؤسسة إلى منظومة قتل واسعة، وأصبح قتل المدنيين يدخل في حسابات الاستهداف، وتحول الإنسان إلى رقم ثم إلى «ضرر جانبي»، فإن تفسير الأمر بأنه مجرد انحراف فردي أو نتيجة حكومة بعينها يصبح غير كافٍ.
فالمشكلة ليست فقط في الأشخاص الذين يقودون اسرائيل وجيشها، بل في التحولات التي جعلت سياسات نزع إنسانية الفلسطيني قابلة للاندماج في مؤسسات الدولة والجيش والمجتمع الإسرائيلي.
ولهذا فإن الفصل بين إسرائيل وحكومتها، وبين الجيش والمجتمع، قد يصبح فصلًا مضللًا إذا كان الهدف فهم البنية التي أنتجت هذه الممارسة.
قد تتغير الحكومة.قد تتغير الوجوه.لكن السؤال الأصعب هو: هل تتغير البنية التي جعلت هذه الوجوه ممكنة؟.
حين يصبح موت المدني رقمًا يمكن حسابه، ثم كلفة يمكن قبولها، ثم «ضررًا جانبيًا» يمكن تبريره، فإن السؤال لم يعد: أين وقع الخطأ؟
السؤال: عن أي أخلاق يتحدث الجيش الإسرائيلي، إذا كان الإنسان قد أصبح في منظومته مجرد ضرر جانبي؟

×
أخبار
الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط