مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

من مذكرات إدوارد سعيد إلى أسئلة الحاضر: من أين ينبع التماهي مع السلطة؟

من مذكرات إدوارد سعيد إلى أسئلة الحاضر: من أين ينبع التماهي مع السلطة؟

تاريخ النشر: 2026-05-01 | 09:00

في مذكراته الشهيرة (Out of Place) «خارج المكان»، يستعيد المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد سنوات دراسته في «كلية فكتوريا» في الإسكندرية، تلك المدرسة التي لم تكن مجرد مؤسسة تعليمية عادية، بل فضاءً تشكّلت داخله أنماط من الوعي والسلوك في ظل نفوذ بريطاني مباشر. هناك، لم يكن التعليم منفصلًا عن السياسة، ولا الثقافة بعيدة عن السلطة، بل كانت المنظومة التعليمية نفسها جزءًا من مشروع أوسع يعيد تشكيل الهوية ويعيد تعريف مفاهيم الانتماء والنجاح.

من بين زملائه في المدرسة، يذكر سعيد الطالب ميشيل شلهوب، الذي عرفه العالم لاحقًا باسم عمر الشريف. يقدّمه سعيد في سياق ذكرياته بوصفه رئيسًا للطلاب، صاحب حضور قوي، وشخصية تمارس سلطة واضحة على من هم أصغر سنًا. ولم يكن هذا الوصف مجرد استعادة لملامح شخصية مدرسية، بل جزءًا من صورة أوسع لبيئة تربوية أنتجت نماذج ترى في الاقتراب من السلطة طريقًا للتميّز والاعتراف.

وفي سياق حديثه عن تلك المرحلة، تشير بعض القراءات لمذكرات سعيد إلى حادثة لافتة، حين ألقى شلهوب خطابًا يمدح فيه التعليم البريطاني أمام مسؤولين بريطانيين، في مشهد رآه سعيد مثالًا على الاندماج في منظومة السلطة وقيمها. لم يكن الأمر، في نظره، مجرد موقف فردي عابر، بل انعكاسًا لبنية كاملة تصوغ الوعي وتعيد ترتيب الولاءات، بحيث يصبح الاقتراب من خطاب القوة علامة على التفوق والنجاح.

ما يجعل استعادة هذه التجربة ذات دلالة اليوم، ليس شخص ميشيل شلهوب بحد ذاته، بل النموذج الذي مثّله في ذاكرة سعيد: نموذج الفرد الذي يتقدّم داخل منظومة القوة عبر تبنّي لغتها، وربما الدفاع عنها، حتى يصبح جزءًا من خطابها دون أن يدرك أحيانًا حدود المسافة الفاصلة بين التكيّف والتماهي.

غير أن اللافت في هذه الحكاية ليس مضمونها التاريخي فحسب، بل توقيت عودتها إلى التداول. فقد عادت بعض المقالات التي تتناول هذه العلاقة إلى الواجهة مؤخرًا بصورة مكثفة، وكأنها تُستدعى من الذاكرة في لحظة سياسية حساسة. وربما لا يمكن فصل هذا التداول عن السياق العام الذي تعيشه المنطقة، خاصة في ظل الحرب على إيران وما رافقها من اصطفافات إعلامية وسياسية، أعادت طرح أسئلة قديمة حول الموقف العربي وحدود النقد المبطّن داخل الخطاب العام.

ففي مثل هذه اللحظات، لا تُستدعى النصوص القديمة لمجرد التذكير بالتاريخ، بل كثيرًا ما تُعاد قراءتها بوصفها أدوات رمزية في سجالات الحاضر. وقد يكون في إعادة تداول تلك المواد ما يعكس محاولة لقراءة مواقف معاصرة عبر نماذج تاريخية، أو لإعادة إنتاج نقد غير مباشر لبعض التوجهات داخل المجال العربي العام.

ما شهدناه مؤخرًا من خطابات في مناسبات رسمية داخل المجتمع الفلسطيني في البلاد، أعاد إلى الواجهة نقاشًا حساسًا حول حدود التكيّف المشروع داخل منظومة الدولة، والفارق الدقيق بين خطاب المواطنة الواعية وخطاب التماهي المبالغ فيه مع سردية القوة. فقد أثارت بعض هذه الخطابات نقاشًا واسعًا بين المتابعين، لا بسبب المناسبة بحد ذاتها، بل بسبب اللغة التي استخدمت، والتي بدت في نظر كثيرين أقرب إلى الاحتفاء بالسردية الرسمية منها إلى التعبير عن موقف نقدي متوازن يحفظ المسافة الضرورية بين الانتماء والوعي.

ولعل من المهم التأكيد هنا أن المقصود ليس إدانة شخص بعينه، ولا تحويل النقاش إلى مواجهة مع أفراد، وإنما محاولة قراءة ظاهرة تتكرر كل مرة في لحظات حساسة من تاريخ الشعوب: ظاهرة الميل إلى الاقتراب من خطاب السلطة إلى حدّ قد يطمس أحيانًا حدود النقد، أو يربك العلاقة بين الانتماء للمجتمع والحاجة إلى القبول داخل منظومة القوة.

وعند محاولة قراءة تجربة سعيد في ضوء واقع المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل، تبدو بعض المشاهد مألوفة إلى حدّ يدعو للتأمل. فكما رأى سعيد في بيئته المدرسية نموذجًا يتشكّل داخل بنية سلطوية واضحة، نرى اليوم نماذج مشابهة تتبنى خطاب القوة المهيمنة، وتعيد إنتاج مفاهيمها، أحيانًا تحت عنوان الواقعية، وأحيانًا باسم العقلانية، وأحيانًا بذريعة تجنّب الخسارة أو البحث عن الاعتراف.

غير أن التوصيف وحده لا يكفي.

فالسؤال الحقيقي لا يكمن في تحديد من أخطأ ومن أصاب، بل في فهم الجذور العميقة لهذه الظاهرة.

من أين ينبع هذا التماهي؟

هل يبدأ من مؤسسات التربية التي تُعيد تشكيل الوعي على مقاس السلطة، حتى يصبح الانتماء إليها شرطًا للنجاح؟

أم من طموح فردي يسعى إلى الاعتراف والقبول داخل منظومة القوة؟

أم من خوف خفي من العزلة أو العقاب، يدفع بعض الأفراد إلى تبنّي خطاب الأقوى؟

أم أن المسألة، في جوهرها، خليط معقّد من الطموح والخوف والمصلحة، في بيئة تُكافئ الولاء وتُقصي الاختلاف؟

ربما لا تقدّم تجربة إدوارد سعيد إجابة نهائية، لكنها تفتح بابًا واسعًا للتأمل. فهي تذكّرنا بأن التماهي مع السلطة ليس ظاهرة طارئة، ولا سلوكًا فرديًا معزولًا، بل مسار طويل يتشكّل عبر التربية واللغة والخطاب، ويتراكم مع الزمن حتى يصبح جزءًا من صورة الإنسان عن ذاته وعن العالم.

×
أخبار
باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر»

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط