مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

متلازمة المسؤول "المهدَّد بالكفاءة" وانفصام الإدارات المغتربة في غزة

متلازمة المسؤول "المهدَّد بالكفاءة" وانفصام الإدارات المغتربة في غزة

تاريخ النشر: 2026-06-14 | 12:22

في الوقت الذي يخوض فيه الموظف في قطاع غزة معركة وجودية يومية، يتنقل فيها بين النزوح، والاستهداف، وشح مقومات الحياة ليحافظ على ديمومة العمل الإنساني، والصحي، والإغاثي؛ يجد نفسه في مواجهة جبهة أُخرى غير متوقعة، تتمثل في السلوك الإداري المزاجي والإقصائي الذي يمارسه بعض القائمين على رأس هذه المؤسسات.
تُطل علينا هنا معضلة إدارية ونفسية تُعرف في أدبيات علم سوسيولوجياىالتنظيم بـ "عقدة المسؤول المهدَّد"، وتتجلى أبشع صورها عندما تقع الكفاءة المهنية ضحية لـ "عقدة النقص" وغياب الأمان الوظيفي لدى المسؤول.
لقد تواصل معي مؤخراً أخصائي نفسي اجتماعي مشهود له بالبنان في إحدى المؤسسات الصحية؛ شابٌ لم يأتِ للمؤسسة عبر أبواب المحسوبية، بل انتزع فرصة عمله بجدارة واستحقاق بعد أن اجتاز شروطاً مرجعية صارمة، وتفوق في الامتحان التحريري والمقابلة الشفهية. دخل هذا المهني المؤسسة وهو يحمل شغفاً كبيراً، وآمالاً عريضة بأن مقترحاته الإبداعية، وتطويره لآليات العمل، وعطاءه ضمن فريق متعاون، ستمنحه المكانة والتقدير من مسؤوليه.
لكن، وبدلاً من أن تُقابل هذه الكفاءة بالاحتضان، جوبهت بقرار إنهاء خدمات تعسفي وصادم، مستغلاً إحدى الثغرات القانونية المقنعة وهي "الفترة التجريبية". ففي علم الإدارة والقانون، وُجدت الفترة التجريبية لتقييم مدى مواءمة الموظف للعمل وتوجيهه مهنياً، لكنها في بعض الممارسات المشوهة تحولت إلى "مقصلة إدارية" مريحة لإقصاء الكفاءات دون الحاجة لتبرير، أو إعطاء الموظف حق الدفاع عن نفسه.
والأخطر من ذلك هو غياب الأمانة المهنية؛ فالجهة الإشرافية التي كان من المفترض أن تكون مؤتمنة على تطويره المهني، تحولت إلى محرض رئيسي ضده، وبدلاً من تقييم أدائه بمعايير موضوعية، بذلت قصارى جهدها لإقصائه مستعينة بعلاقات فئوية وضدية لشرعنة قراراتها المزاجية. لقد كانت "خطيئة" هذا الشاب الكبرى أنه أظهر تميزاً وقدرات مهنية عالية كشفت – دون قصد منه – عن الهشاشة والفقر المهني اللذين تعاني منهما الإدارة المباشرة.
وهنا تتبدى المأساة الحقيقية في أعمق صورها النفسية والاجتماعية؛ ففي ظل هذا التغول، آثر هذا الشاب المظلوم الصمت وطلب عدم تصعيد الموقف ضد إدارته، مدفوعاً بمرارة التخوف من أن يُحارب في لقمة عيشه المستقبلية، أو أن يمتد التحريض عليه ليُشوه سمعته في ميدان العمل الضيق أصلاً بفرصه. لقد كان طلبه الحزين والمشبع بالقهر أن يكون خروجه انسحاباً صامتاً أمام عجز الواقع وغياب القانون وسلطة النفاذ؛ وهي معادلة مؤلمة تختصر حال الكثير من الكفاءات التي تختار التضحية بحقها الآني تحصيناً لغدها من بطش "مراكز القوى" الإدارية.
إن هذا السلوك لا يمكن تصنيفه كإجراء تنظيمي لحماية المؤسسة، بل هو سلوك دفاعي ناتج عن "الخوف من الكفاءة"؛ فالمدير أو المشرف الذي يفتقر للأمان المهني لا يرى في الموظف المتميز رافعة للمؤسسة، بل يراه تهديداً مباشراً لموقعه وامتيازاته. وفي ظل غياب الرقابة، وضعف آليات الرصد، وحالة الطوارئ المستمرة، تحولت بعض هذه المؤسسات إلى ما يشبه "الإقطاعيات الخاصة" يُطرد فيها الموظف بجرّة قلم لإرضاء حسابات ضيقة، وسط طوفان البطالة والمأساة، ودون أي وازع من مسؤولية أخلاقية أو وطنية تجاه قطع الأرزاق في وقت الكارثة.
ولا تتوقف التجاوزات الإدارية عند حدود المزاجية الشخصية، بل تمتد لتكشف عن فجوة أخلاقية هائلة، وانفصام حاد بين قيادة المؤسسات وقواعدها العاملة في الميدان؛ وهو ما يمكن التعبير عنه بـ "انفصام الداخل والخارج".
أيعقل، في ميزان العقل والمنطق أو حتى في شرعة الأخلاق الإنسانية، أن يقوم مسؤول تنفيذي يعيش خارج البلاد، في عواصم توفر له ولعائلته كامل مقومات الأمن والأمان والرفاهية، بإصدار قرارات فصل وعقاب تعسفية بحق موظفين في قطاع غزة؟ هؤلاء الموظفون هم الذين يدفعون، كل ثانية، ثمن البقاء والثبات، ويعملون في ظروف ميدانية قاهرة لا ترتقي للحد الأدنى من الآدمية.
إن الإدارة ليست مجرد "توجيهات وأوامر" تُرسل عبر البريد الإلكتروني أو تطبيقات التواصل من وراء البحار، بل هي "معايشة ومشاركة في العبء". وعندما يفقد المسؤول الاتصال المباشر بنبض الواقع، ويصبح عاجزاً عن تخيل حجم المعاناة التي يتكبدها الموظف والمهني — سواء كان أخصائياً، أو طبيباً، أو إغاثياً — للوصول إلى مقر عمله متخطياً خطر الموت وضغوط النزوح المتكرر، فإنه يفقد بالضرورة الأهلية الأخلاقية للحكم على أداء هؤلاء الموظفين أو تقييم إنتاجيتهم.
وفي غمرة هذه المفارقة، يتقاضى "مدراء الخارج" رواتبهم وامتيازاتهم كاملة، وبدلاً من أن يسخروا نفوذهم وعلاقاتهم لتحصين الموظف الميداني وتوفير شبكة أمان اقتصادي ونفسي له في ظل هذه الكارثة، تجدهم يستسهلون التضحية به من خلف الشاشات المريحة. إن غياب المعايشة يسقط هؤلاء في "فقاعة إدارية" منفصلة تماماً عن الواقع؛ حيث يتحول الموظف لديهم إلى مجرد رقم في جدول النفقات، يُشطب متى ما أرادت إدارة مباشرة إقصاءه، أو رغبة في استبداله بآخر عبر شبكات المحسوبية الفئوية التي تنشط في بيئات الأزمات لحماية مصالحها.
هذا الانفصام يسقط ورقة التوت عن الشعارات البراقة والرسائل الإنسانية للمؤسسات، ويؤكد أن مأساة الموظف الميداني في غزة مركبة: يواجه الظروف القاسية من جهة، ويواجه سياط الإدارات المغتربة التي تجافيه عند أول تقييم أو وشاية من جهة أخرى.
إن الخروج من هذا النفق المظلم وحماية السلم الأهلي والمؤسساتي يتطلب خطوات عملية وفورية لردع هذا التغول الإداري، ومنها:
• إطلاق "ميثاق الشرف الإداري والأخلاقي": مع ضعف القانون وغياب السلطات التنفيذية والرقابة، يجب الضغط لصياغة ميثاق شرف تلتزم به كافة المؤسسات والمنظمات العاملة في قطاع غزة، ينص صراحة على تجميد قرارات الفصل الفردي المزاجي في أوقات الأزمات الكبرى، وتشكيل لجان تحقيق مستقلة.
• سلاح التوثيق والمخاطبة المؤسساتية: تفعيل أدوات الرصد المهني والمؤسساتي، ومخاطبة المكاتب الإقليمية والدولية لهذه المنظمات مباشرة؛ لإطلاعهم على تجاوزات الإدارات التنفيذية والمحسوبيات الفئوية التي تضر بسلامة العمل الإنساني.
• انتفاضة النقابات المهنية: يجب على النقابات العمالية والمهنية، وكافة الأجسام النقابية، تشكيل لجان قانونية طارئة لرصد الانتهاكات، وتقديم الاستشارات والدعم القانوني للمتضررين، وتوثيق ملفاتهم لمقاضاة العابثين بالحقوق العمالية فور انتظام عمل الهيئات القضائية.
إن المناصب والكراسي زائلة لا محالة، ولن يبقى في ذاكرة هذا الشعب إلا المواقف؛ فإما أن يكون المسؤول رافعة حقيقية لأبناء شعبه في محنتهم، يقاسمهم العبء والخطر بشرف وأمانة، أو أن يتحول إلى سوط إضافي يُسلط على رقاب المبدعين والمستضعفين؛ والتاريخ بذاكرته الصارمة لن يرحم العابثين بأقوات الناس وكرامتهم.

×
أخبار
باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر»

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط