مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

ما وراء الخلاف الأمريكي – الإسرائيلي: هل يتشكل شرق أوسط جديد؟

لا تكمن أهمية الخلافات الراهنة بين واشنطن وتل أبيب في تفاصيل مذكرة تفاهم هنا أو اتفاق هناك، ولا في التباينات الظرفية بين إدارة أمريكية وحكومة إسرائيلية، بل في ما قد تكشف عنه من تحولات أعمق في بنية النظام الإقليمي والدولي. فالأحداث الكبرى في التاريخ لا تُقاس دائماً بحجمها المباشر، وإنما بما تعكسه من تغيرات في موازين القوة واتجاهات المستقبل.
صحيح أن الحديث عن قطيعة أمريكية – إسرائيلية يبقى بعيداً عن الواقع. فالتحالف بين الطرفين ما زال أحد أكثر التحالفات رسوخاً في العالم، مدعوماً بشبكة واسعة من المصالح الاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية والسياسية. لكن الصحيح أيضاً أن التحالف لا يعني التطابق الكامل في الرؤى والأولويات، خصوصاً في لحظات التحول الكبرى التي تعيد فيها الدول تعريف مصالحها وأدوارها.
في هذا السياق، يبدو أن الخلافات الأخيرة حول إيران والحرب في غزة ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة تعكس تبايناً متزايداً بين رؤية أمريكية تسعى إلى إدارة التوازنات الإقليمية ومنع الانفجارات الكبرى، ورؤية إسرائيلية ما زالت تراهن بصورة أساسية على منطق الردع والقوة العسكرية وفرض الوقائع على الأرض.
لقد تغير العالم كثيراً خلال العقدين الأخيرين. فالولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره مركز الثقل الوحيد في استراتيجيتها العالمية. فالمنافسة مع الصين، والصراع مع روسيا، والتحولات الاقتصادية والتكنولوجية الكبرى، دفعت واشنطن إلى إعادة ترتيب أولوياتها، والبحث عن مقاربات تقلل كلفة الانخراط العسكري المباشر وتزيد من الاعتماد على الدبلوماسية وإدارة التوازنات.
وفي المقابل، تشهد المنطقة نفسها تحولات عميقة. فقد برزت قوى عربية وإقليمية تمتلك أوزاناً سياسية واقتصادية متزايدة، وأصبحت قادرة على التأثير في معادلات الأمن والاستقرار والطاقة والاستثمار. ولم يعد ممكناً إدارة الشرق الأوسط من خلال طرف واحد أو محور واحد كما كان الحال في مراحل سابقة.
من هنا تكتسب الخلافات الأمريكية – الإسرائيلية دلالتها الحقيقية. فهي لا تعبر فقط عن اختلاف في إدارة أزمة معينة، بل قد تعكس تحولاً تدريجياً في النظرة الأمريكية إلى المنطقة، من مقاربة تقوم على مركزية إسرائيل إلى مقاربة أوسع تأخذ في الاعتبار شبكة معقدة من المصالح والشراكات والتوازنات الإقليمية.
غير أن الجانب الأكثر أهمية يتعلق بإسرائيل نفسها.
فالحرب الأخيرة، بكل ما حملته من دمار وخسائر إنسانية وتداعيات سياسية وقانونية، أعادت طرح أسئلة جوهرية حول حدود القوة العسكرية وقدرتها على تحقيق الأهداف السياسية. فرغم ما تمتلكه إسرائيل من تفوق عسكري وتكنولوجي هائل، فإنها لم تتمكن من حسم الصراع الفلسطيني أو إنهاء القضية الفلسطينية أو فرض واقع سياسي مستقر يضمن لها الأمن الدائم.
لقد أثبتت التجربة مرة أخرى أن القوة العسكرية تستطيع إدارة الصراعات، لكنها لا تستطيع إنهاء أسبابها العميقة. فالتاريخ يعلمنا أن النزاعات المرتبطة بالهوية والحقوق الوطنية لا تُحسم بالقوة وحدها، وأن الشعوب لا تتخلى عن حقوقها بمجرد تعرضها للهزيمة أو المعاناة.
ومن هذه الزاوية، فإن أحد أبرز نتائج السنوات الأخيرة يتمثل في فشل الرهانات التي افترضت أن القضية الفلسطينية يمكن تجاوزها أو تهميشها أو إخراجها من التاريخ. فقد عادت القضية إلى صدارة الاهتمام الدولي، وعاد الشعب الفلسطيني ليؤكد حضوره السياسي والوطني رغم حجم المأساة الإنسانية الهائلة التي تعرض لها.
وفي الوقت ذاته، تواجه إسرائيل تحديات داخلية متزايدة تتعلق بطبيعة الدولة وهويتها ومستقبلها. فالانقسامات السياسية الحادة، والاستقطاب بين التيارات الدينية والعلمانية، وتراجع الثقة بالمؤسسات، كلها مؤشرات على أن النقاش داخل إسرائيل لم يعد يدور فقط حول الأمن والحدود، بل حول طبيعة المشروع نفسه واتجاهه التاريخي.
وهنا يبرز سؤال يتجاوز الأشخاص والحكومات: هل تواجه إسرائيل أزمة قيادة عابرة، أم أنها تدخل مرحلة مراجعة تاريخية أعمق؟
لقد قام المشروع الصهيوني لعقود على افتراض أن التفوق العسكري والدعم الغربي والوقت كفيلة جميعها بترسيخ الوقائع التي فرضها على الأرض. لكن التحولات الراهنة تكشف أن هذه العناصر، رغم أهميتها، لم تعد وحدها كافية لضمان الشرعية أو القبول أو الاستقرار.
فالعالم يتغير. وموازين القوة تتغير. والشرق الأوسط نفسه يتحول تدريجياً من ساحة صراعات مفتوحة إلى فضاء تتزايد فيه أهمية التنمية والاقتصاد والشراكات الإقليمية والتكامل الاستراتيجي. وفي مثل هذا الواقع، تصبح القوة العسكرية ضرورة للأمن، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة النفوذ أو بناء المستقبل.
لذلك فإن جوهر المسألة لا يتعلق بمذكرة أمريكية – إيرانية أو بخلاف بين واشنطن وتل أبيب، بل بالسؤال الأكبر الذي يفرض نفسه على المنطقة بأسرها: هل نحن أمام نهاية مرحلة تاريخية وبداية مرحلة جديدة؟
إذا كان الأمر كذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام إسرائيل لن يكون كيفية تجاوز خلاف عابر مع الولايات المتحدة، بل كيفية التكيف مع شرق أوسط جديد يتشكل أمام أعيننا؛ شرق أوسط تتوزع فيه مراكز القوة، وتتراجع فيه الهيمنة الأحادية، وتعود فيه السياسة والدبلوماسية والتنمية لتحتل مكانة لا تستطيع القوة العسكرية أن تحل محلها.
وعند هذه النقطة تحديداً، يصبح الخلاف الأمريكي – الإسرائيلي الراهن أكثر من مجرد حدث سياسي عابر. إنه نافذة يمكن من خلالها رؤية التحولات العميقة التي تجري تحت سطح الأحداث، والتي قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتوازنات في المنطقة لعقود مقبلة.
فربما لا يكون السؤال الأهم اليوم هو: هل اختلفت واشنطن وتل أبيب؟
بل: هل بدأ الشرق الأوسط بالفعل مغادرة مرحلة تاريخية كاملة، والدخول في مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة مفاهيم القوة والشرعية والاستقرار على أسس مختلفة عن تلك التي حكمت المنطقة طوال العقود الماضية؟
وهل فقدت إسرائيل بعض من وظيفتها ودورها الإقليمي، أمام صمود الشعب الفلسطيني وبروز قوى إقليمية ودولية جديدة، تسهم وتؤثر في اعادة صياغة النظام الإقليمي والدولي الشرق أوسطي؟
هذا ما ستكشفه الأيام والشهور والسنوات المقبلة.

×
أخبار
الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط